ثقافة الخوف من الارتباط

post Image>

الجذور الثقافیة للخوف من الارتباط

نظرة عامة

يخشى الاقتراب والالتزام في علاقاته الشخصية، تراه شديد الاعتداد بذاته مستقل وعقلاني، قلیل الانفتاح على الآخر، لا يفصح

عن نوایاه ومشاعره. يخلق في علاقاتھ مسافات وحواجز من أجل الاستقلالیة فلا ینزل عن السطح في تواصلھ، حساس جدًا لأي

محاولة فرض سيطرة. يختنق إذا زادت حاجة شريكه للتقارب بشتى صوره ویقوم تفعیل استراتیجیة (إخماد المشاعر) و یخلق

فجوة أكبر، لدیه تصور غير عقلاني عن أن الشريك المثالي ينتظره في مكان ما. تلك الأوصاف تعبّرعن نمط الارتباط التجنبي أحد أنماط التعلق الأربعة التي ترتفع في درجة الاعتماد على النفس وتنخفض في درجة الاعتمادية والتقارب. يستخدم صاحب نمط الارتباط التجنبي استراتیجیة الإخماد ليخلق مزيد من التباعد والمسافات، من أمثلتھا:

• یردد في نفسه أنه غیر جاھز للالتزام.

• يركز على التفاصیل الصغیرة غیر المثالية في شریكه مثل طریقة لباسه و حدیثه وشكله.. ويسمح لتلك الملاحظات في

إعاقة مشاعره نحو الشريك.

• یحن إلى شریكه السابق ویتذكره بمثالیة غیر واقعیة وقد یبكي على اطلاله أمام شریكه الحالي.

• قد یتصرف بأسلوب غزلي ومتودد لأخریات/ آخرین وھي وسیلة مؤذیة لتقدیم مزید من مشاعر عدم الأمان الذي یبثه

في العلاقة.

• لا یقول “أحبك” صراحةً ولكن یشیر لھا ضمنًا في بعض التصرفات.

• یبتعد في حال استتباب حال العلاقة واستقرارھا فلا یتواصل بشكل مستمر أو یبتعد لأیام.

• قادر على بدء علاقة محكوم علیھا استحالتھا، مثل التودد إلى شخص متزوج.

• یحتفظ بالأسرار عن الشريك ويبقي الأمور ضبابية للحفاظ على استقلاليته.

• يتجنب التقارب الجسدي.

مقدمة

فلنرجع للتاریخ إذا كان ما يحدث أمامنا عصي على الفھم ولا يتجاوز تفسيرنا له مستوى الأحداث. لنرجع للوراء حتى نرى

الحاضر من بعد مرتفع یُعیننا على إبصار الصورة الكاملة، حینھا فقط سنصل لفھم متعاطف وحکیم یدُلنا إلى الطريق الأسلم للتغییر.

تلك كانت قناعتي عندما شعرت بضرورة تقديم مُحاضرة عن مثل هذه المواضيع بعد قراءتي لمقالة (المجتمع التجنبي والجذور الثقافیة للتعلق القلق) التي حررھا أستاذ علم النفس روبرت كارین، وھنا سأشارك معكم بعض ما ترجمت واستنتجت واقترحت.

أھمیة دراسة الأساس الثقافي لنمط التعلق التجنبي

ماذا لو كان الخطأ الذي نفعله الآن ھو صواب ھذه المرحلة؟ أو أن السم الذي نتجرعه الآن ھو الدواء المتاح للنجاة

في ھذا الوقت؟ تساؤلات ينبغي لأي مختص نفسي، اجتماعي، وتربوي أن یضعھا في الحسبان عند الشروع في علاج المشكلة،

أما الإجابة فتكمن في النظر إلى سیاق ھذه المشكلة، جذورھا والـ (غرض) منھا. إن فھم الأساس الثقافي لنمط التعلق التجنبي لا

یعیننا على تعمیق فھمنا وتعاطفنا فحسب، بل یحد من أساليب التدخل الخاطئة، ويدلنا لاكتشاف (غرض) ھذا النمط، حینھا قد ننجح

في خلق تغییر مستدام.

کیف یحصل التغییر؟

التعلق نظام یجري علیه ما یجري على أي نظام في ھذه الحیاة: بیئي، صحي، اقتصادي، أو اجتماعي… وھلم عدًّا. لكل نظام في

ھذه الحیاة ثلاثة مكونات: عناصر، اتصالات، وغرض. على سبیل المثال يحتوي نظامنا الھضمي على الفم، المعدة،

والأنزیمات…(عناصر)، ترسل إشارات كیمیائیة (اتصالات) لكي تحلل الطعام (غرض). لكي نصنع تغییر و علاج حقيقي في

أي نظام علینا النظر للاتصالات والغرض. إن عناصر التعلق التجنبي تتمثل في السمات الظاھریة التي یمكن رصدھا

وملاحظتھا مثل استقلاليته الملحوظة وضعف مھاراته في قراءة اللغة غير اللفظية المباشرة وما ذكرته سابقًا من أوصاف. أما

اتصالاته فھي استراتیجیة الإخماد التي یتخذھا في علاقاته، كأن يردد في نفسه أنه غیر جاھز للالتزام وأن شریكه الحالي لیس

توأم روحه المثالي المنتظر، وغیرھا من أساليب التفاعل الداخلية والخارجية التي من (أغراضھا) خلق فجوة ومسافة بینه وبین

الآخر، لأن الاقتراب بالنسبة له مثير للخوف ونذير بأذى ورفض محتمل، ولكن ھل ھناك أغراض أخرى لھذا النمط؟ التاریخ

والثقافة تدلنا لأغراض تداخلت مع بعضھا حتى ولّدت لنا ھذا النمط.

الحیاة قبل عصر الحداثة

حیاة عائلیة یعیش كل فرد فیھا في تقارب شديد مع أقاربه وأبناء بلدته، تمتلئ المنازل بأفراد الأسرة الممتدة من الحفيد إلى الجد،

لا أحد یعیش وحده ولا ينفصل كبار السن عن أبنائھم في مراكز الرعاية ودور المسنين، كانت الأنشطة الاقتصادية مقتصرة

على مشاریع زراعیة وعائلية صغیرة تدار من قبل مؤسسھا الذي يتكفل اقتصادیًا بأقاربه ويوظف فیھا القوي منھم. كانت

الاعتمادية عالیة في تلك الأوقات، لا توجد في تلك المجتمعات فرص وظيفة كبیرة، كان يقضي معظم الناس جل أوقاتھم في

أنشطة اجتماعیة وترویحیة ودینیة. أما الھویة آنذاك فلم تشكّل أزمة كما ھو الحال في عصرنا الحالي، لأن الناس عرفوا أنفسھم

بانتماءاتھم الدینیة والاجتماعیة التي ملئت خوائھم العاطفي والروحي وشدت أواصرھم بالتراحم. لم یکن عصرًا مثالیًا بالطبع،

بل بیئة حاضنة لكل أشكال التطرف العاطفي التي تشمل الحب والكره، جرائم الغيرة، القھر والتسلط والظلم. لم يكن الإنسان

قادرًا في ذلك الوقت أن ینھض فوق ظروفه الراھنة التي ولد بھا، فحریته محدودة. عانى الفقر والجوع ولكنه ذاق الطمأنينة التي

عززتھا القیم والتقالید والثقة بأن الناس للناس، والألفة التي جمعت الناس من شتى الطبقات، والاعتمادية المتبادلة.

الحیاة بعد الحداثة

حياة متسارعة، التنافس فیھا أضحى ضرورة العصر. أصبح الإنسان مسؤول بشكل كبیر عن مصيره فھناك فرصة كبيرة

للنجاح وخوف شديد من الفشل فالبقاء للأكفأ. زمن یخرج فیه الرجال إلى بيئات عمل ساحقة تضطرھم إلى ابتلاع احتیاجاتھم

العاطفیة. الضعف والاعتمادية خصلتان یستھجنھا ھذا المجتمع في الرجال ثم لحق ھذا الاستھجان النساء أیضًا. الكل لدیه أھداف

لتحقیقھا، الناس في ھذا العصر في حاجة حثيثة للإنجاز، وإدمان شدید للتشاغل فغابت الطمأنينة و تقلصت معھا أوقات الترفیه

والصلة والحمیمیة. من تلك الأحوال تزايدت مشكلات الانتماء وأزمة الھویة لدى الإنسان المعاصر، فما نراه الآن من شعارات

قضایا عجيبة ينادي بھا بعض الناس وأوصاف جریئة تلتصق بالھویة ماھي –بتصوري- إلا محاولات لحل تلك الأزمة. أما

الأسرة الحديثة تحولت إلى أسرة نوویة وزادت انعزالًا عن السابق. يعتمد أمن الطفل المعاصر النفسي بشدة على سیكولوجیة

والدیه فلا یوجد لدیه بدائل أخرى یرتبط بها، خصاله الطفولیة التي كانت طبیعیة فیما مضى غدت مثيرة لقلق والدیه كالتشبث

والاتكال والتصابي. محاط بتوقعات عالیة من والدیه، فتذھب طفولته في محاولة تحقيق المراكز الأولى في الصفوف

والمسابقات الریاضیة. تفصله مسافات شاسعة عن والدیه، فينام منذ الصغر في غرفة منفصلة ویٌحمل في عربة الأطفال، على

عكس طفل الماضي الذي كان أكثر قربًا عاطفیًا وجسدیًا من أھله. من المهم التنويه أن هذه الحياة لم تستحوذ على مجتمعاتنا الشرقية بهذه الحدّة كما هو الحال في الغرب، ولكنها موجودة بدرجة تتزايد مع مرور الزمن. 

غرض التعلق التجنبي

یتجنب صاحب النمط التجنبي الاقتراب في العلاقة حتى يتجنب الأذى والرفض، ولدیه –كما استنتجت- غرض مھم آخر أفرزته

الثقافة الحدیثة وھو مضاعفة التحصیل والإنتاج والتنافسية ثم النجاح وتجنب الفشل بعیدًا عن شتات العلاقات. طرحت زمیلة عمل

وربة أسرة سؤالاً على زمیلتھا العزباء ھل أنتِ متزوجة؟ أجابتھا بلا، فقالت: “لله! أنت كالقطار الآن لا شيء سيعطل طریقك”.

نعم، قد يرى أبناء ھذا الزمان الارتباط والالتزام بأنه مصدر تھدید لمسیرة مھنیة واعدة، واللوم يقع على عاتق الروایة الحدیثة

التي وصفت شكلا أوحد للنھایات السعیدة: الحصول على براءات اختراع، ترأس الشركات، تولي المناصب القیادیة، اقتناء المنازل

والمركبات الفارھة ولا نجاح إلا في دائرة الحياة العامة.

الضابط والحلول

إن كان غرض الارتباط التجنبي الخوف من الضعف والفشل فالعلاج في إعادة تعريف النجاح والتحذير من عواقب الإفراط في

الاستغناء والاستقلالية. لا أدعو ھنا للثورة على كل حدیث، ولا تقبل نفسي الخطابات التي تسرف في التنديد بحال ھذا العصر. كما

أنني أخشى أن أكون سببًا في توھین الھمم العالیة التي تطمح لخلق التغییر في أي من جوانب الحیاة. على العكس، أود أن أستنھض

ھمم الناس لأن يطمحوا في توطيد علاقاتھم الشخصیة وتطویرھا كحرصھم على التطور في جوانب الحياة المختلفة، وأن يجدوا

غایة قویة لسعیھم في ھذا الحیاة تعصمھم عن تدمیر أنفسھم والآخرین وتھوّن مصابھم عند الإخفاق والفشل. قد نرى تغییر حقيقي

إذا تجنبنا النزعة الاستھلاكیة، الإنجازات الخالية من المعنى، والانشغال بتحقیق الاحتیاجات المزیفة. عوضًا عن تجنب الاقتراب

من الناس، والھرب المستمر من مشاعرنا وعالم المعاني.

المراجع 

  • Attached: The New Science of Adult Attachment and How It Can Help You Find and Keep Love by Levine & Heller.
  • Thinking in Systems by Donella Meadows.
  • Attachment Across the Lifecourse: A Brief Introduction by David How.
  • Photo by Xandro Vandewalle

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + 17 =

4 تعليقات

  1. Reefsays:

    سبحان الله بوقته ! متخبطة بعلاقات وخوف من عدم الالتزام بحياة مهنية وسير النجاح .. قشعريرة سلمت اناملك .. مسكت اسباب تخبطي ممتنة لك

  2. Noursays:

    مقال مهم .. لكن لو عُرِضَ بلغة أبسط وأقل فلسفية لكان أيسر للفهم والاستيعاب

  3. Mashaelsays:

    المقاله اكثر من رائعه شاكره وممتنه لكم لاثرائي بهذه المعلومات الجميله 🤍

Join our mailing list

Be the first to know about our new products and promotions and enjoy the enriching weekly newsletters.