auther

صفية الجفري

author

آخر تحديث يونيو 16, 2022

الوسوم
  • الأصدقاء
  • الحياة
  • الدين
  • العائلة
  • العلاقات
  • النصيحة
  • النفس
  • مقالة مطولة

فقه النصيحة واحترام الحرية الشخصية | رؤية اجتماعية نفسية

post Image>

أضع صورتي الشخصية في تويتر منذ سنوات، التعليقات المستنكرة لوضعي صورتي ، والتي لا زالت تردني من حين إلى آخر ، أعادتني إلى بدايات التسعينات ومنتصفها ، والأسئلة الوجودية القاسية التي استنزفت ضمائرنا في تلك الأيام، تلك الأسئلة التي لم تكن تحيي العقل، ولا تنهض بالروح، لكنها كانت تشتيتا بائسا رُمينا في أتونه بكل ما ترتب على ذلك من عثرات نفسية وفكرية وأسرية واجتماعية . 

كان الخطاب الوعظي السائد حينها حافلا بالنصائح التي تحدد لنا شكلا صارما للحياة، والإشكال الذي يجعل كثيرا مما يطرحه هذا الخطاب بعيدا عن الصواب هو أنه صَدّر لنا المسائل التي هي محل اختلاف بين العلماء على أنها مسائل الخلاف فيها ضعيف لا ينبغي الالتفات إليه  و إنما ينبغي اتباع القول الراجح عند أصحاب ذلك الخطاب و الذي كان القول الأشد – غالبا – .

الأمر كان لا يتوقف على بذل النصائح في المحاضرات الدينية ، بل كان يمتد للدعوة  إلى بذل النصح بل والتغيير إن أمكن عن طريق الإنكار على كل من يخالف في هذه التفاصيل التي تتعلق بمسائل تشكّل علاقتنا بأجسادنا ، وملابسنا ، وأذواقنا، ورؤيتنا لإنسانيتنا وتحققنا بمكانتنا في الحياة . 

 كانت ثقافة النصيحة هي المهيمنة على عقلية أبناء جيلي، وكانت عند كثيرين منا تقترن بالفجاجة في التدخل في حياة الآخرين ، واختياراتهم ، بل وفيها كثير من المحاكمات الأخلاقية، والدينية . لقد صُدّرت إلينا مسائل من الترجيحات الفقهية على أنها الدين وأن من يخالفها في خطر عظيم.

وكان تخصص الشريعة هو خياري الوجودي، لأعبد ربي على بصيرة، و لأجد حلا للإشكالات التي تثقل روحي وعقلي، وكان من أهم الأسئلة التي أرقتني هو سؤال النصيحة وعلاقتها باحترام الحدود الشخصية..

حرية القبول :

رحلة البحث كانت مفاجئة حقا، فالعلماء ينصون على تحريم أن ننصح إنسانا نعلم منه أنه سيزداد عنادا وبعدا عن الحق ، أو سيترتب على نصحنا له ضرر أعظم من ضرر الفعل السيء الذي نريد منه التوقف عنه.هذا الشرط يرتبط بقاعدتين أساسيتين :

إحداهما :  

مراعاة فقه المآلات أي الفقه المتعلق بدراسة ما يترتب على الحكم أو الفتوى في مسألة ما قبل تقرير حكم هذه المسألة أو الإفتاء فيها، فلا يدفع المنكر بمنكر أعظم منه: قال الإمام العز ابن عبد السلام: ” وقد يكون من الفسقة من إذا قيل له ” اتق الله ” أخذته العزة بالإثم ، فيزداد فسوقا إلى فسوقه”.

 واختلف العلماء في حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا عُلم أنه لا يفيد إلى قولين : 

أحدهما : أنه يكون مستحبا لا واجبا لأنه وسيلة لا غاية، ولعلهم نظروا إلى أن العمل بالوسيلة  فيه إظهار لشعائر الدين وإن لم تتحقق غايتها في نفع المنصوح.

والثاني : أنه لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث لا فائدة تترتب عليه ولعلهم رأوا أن ذلك يسقط هيبة الحق، أو يجر إلى العناد و العداوة ، أو يخل بالسلم الاجتماعي.

القاعدة الثانية : 

 احترام حق الأفراد في خيارات التواصل معهم، هذا الحق الذي لا ينال منه اضطراب تصوراتهم، وفساد أفعالهم، ويتحوّل الواجب هنا من النصح في جزئيات المسائل إلى تهيئة بيئة فكرية ونفسية يقبل فيها الناس على دين ربهم إقبال تسليم ، وإقبال طمأنينة إلى شرعه ، ويرتفع القلق المعرفي المرتبط بشبهات العصر والذي يغبّش عليهم صلتهم بدين الله وأحكامه، ومن ذلك أن تصبح ثقافة النصح محل قبول واحترام        لا تحقير وصد عن دين الله . روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى : ( لا يضرّكم من ضل إذا اهتديتم ) ، فقال : ” يا أبا ثعلبة ، مر بالمعروف وانه عن المنكر، فإذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، إن من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم، للمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين منكم قيل : بل منهم يا رسول الله ؟ قال : بل منكم ، لأنكم تجدون على الخير أعوانا  و لا يجدون عليه أعوانا.”  سنن الترمذي. 

وقال سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه : ” يوشك من عاش منكم أن يرى منكرا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره.”. وسمع سيدنا ابن مسعود – رضي الله عنه -رجلا يقول : هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، فقال ابن مسعود : هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر . قال الإمام ابن رجب الحنبلي : “يشير – أي ابن مسعود رضي الله عنه –  إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك . وأما الإنكار باليد واللسان فإنما يجب بحسب الطاقة.” . 

وكلام سيدنا ابن مسعود – رضي الله عنه – ينبه إلى معنى دقيق وهو أن غياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتحقق إلا بأن تغيب من القلب محبة الطاعة والخير، وكراهية المعصية والشر ، ولذلك سمى النبي -صلى الله عليه وسلم- كراهية المنكر بالقلب تغييرا فقال : ” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان .” . 

وتسميته صلى الله عليه وسلم كراهية المنكر بالقلب تغييرا فيه تنبيه إلى أن الشر لا يتمكن إلا إن تمكن في القلوب. وما دامت هناك قلوب صالحة، فلا زال للخير أثر، ولا زال للفضيلة طريق للتغيير، مادام أصحابها يلتزمون النهج النبوي العظيم في التغيير، وهو نهج قوامه العلم، والمحبة، واحترام حقوق الآخرين في حفظ كرامتهم ، وحدودهم الخاصة . 

و النصيحة لا بد لها من ثقافة مجتمعية عامة تعدها فضيلة و قيمة محل احترام، أما إذا رأينا: ” هوى متبعا، وشحا مطاعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ” فقد أُمرنا أن نحفظ للكلمة الطيبة هيبتها، وأن لا يعرّض الإنسان نفسه للبلاء حيث لا يرتجى النفع. 

يقول الإمام العز ابن عبد السلام في قواعده الكبرى : ” وقد كان صلى الله عليه وسلم يدخل إلى المسجد الحرام ، وفيه الأنصاب والأوثان، ولم يكن ينكر ذلك كلما رآه، وكذلك لم يكن كلما رأى المشركين ينكر عليهم . وكذلك كان السلف لا ينكرون على الفسقة والظلمة فسوقهم وظلمهم وفجورهم كلما رأوهم لعلمهم أنه لا يجدي إنكارهم ، وقد يكون من الفسقة من إذا قيل له ” اتق الله ” أخذته العزة بالإثم ، فيزداد فسوقا إلى فسوقه”.

و الذي يترجح عندي – والله أعلم – أن السياق الذي ناقش فيه العلماء مشروعية النصيحة في حال عدم فائدتها للمنصوح هو سياق فردي لا مجتمعي بمعنى أن يكون للنصيحة قيمتها المعنوية وإن جاهر أفراد بردها، أما إذا شاعت في المجتمع ثقافة رفض النصح فلا يكون النصح مشروعا حينها إلا حيث عُلم حصول الفائدة في أحوال معينة، وبضوابط لا تخل بالسلم المجتمعي، وتكون مسؤولية العلماء هي أن يجددوا دين الله في القلوب بما يناسب حال عصرهم العقلي والنفسي. 

النصيحة وأخلاق العناية:

يورد الإمام ابن رجب الحنبلي تعريفا للنصيحة يبين المقصد الأخلاقي الذي شرعت النصيحة من أجله ، فالنصيحة هي: ” عناية القلب للمنصوح له كائنا من كان ” .

 النصيحة هي فعل عناية ، وفعل محبة، وفعل صلة وسلام ، ولذلك فقد نبّه الإمام الغزالي في إحيائه تنبيهات مهمة تتعلق بالناصح :

أحدها : أن النصح  هو فعل ورع ، ومراقبة لله عز وجل، بحيث يصدر عن قلب سليم ، متخلّق بالأخلاق الواجبة ، قلب رحيم غير قاس، و في عمق خلق الرحمة يأتي معنى الاحترام ليصون هذا الخلق العظيم من أن يكون سببا في اضطراب المفاهيم، فالاحترام هو جزء من حقيقة الرحمة وليس أمرا منفصلا عنها، إذ لا يتصور تحقق الرحمة دون احترام، من يرحمك سيصون حدودك الشخصية، وسيراعي طبيعتك، وأحوالك، وقدراتك.. 

وفعل النصح هو فعل عناية ورحمة يراعي حق المنصوح في احترام كرامته، وطبيعته ، وطريقة تفكيره، وقد أوجب الإمام الغزالي على الناصح أن يكون هذا المعنى حاضرا في قلبه حضورا يجعله يستثقل فعل النصيحة؛ لأن صيانة كرامة المنصوح حاضرة في وجدانه ، ويتمنى لو أن غيره كفاه ذلك ، يقول الإمام الغزالي إن الناصح لو وجد في نفسه إقبالا على النصح فذلك لأنه غالبا يستلذ أن يكون في مقام أعلى من مقام المنصوح ، وأن يكون له سلطة معرفية عليه، يقول الإمام الغزالي إن الناصح حينها يحرم عليه أن ينصح لأنه ليس أهلا للنصيحة وقد تكون هذه المشاعر التي فيها استعلاء خفي أشد ذنبا من المعصية التي يريد أن ينهى عنها . 

يقول الإمام الغزالي في معرض كلامه عن طريقة النصح لمن رأى جاهلا يرتكب منهيا عنه كمن لا يحسن الركوع و السجود : ” فهكذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء، فإن إيذاء المسلم حرام محذور، كما أن تقريره على المنكر محذور ، وليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول، ومن اجتنب محذور السكوت على المنكر واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه ، فقد غسل الدم بالبول على التحقيق .” . 

وقال عند كلامه عن رتبة النهي عن المنكر بالوعظ: ” وهنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها، فإنها مهلكة، وهي أن العالم يرى عند التعريف عزّ نفسه بالعلم وذلّ غيره بالجهل ، فربما يقصد بالتعريف الإذلال وإظهار التميّز بشرف العلم وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل، فإن كان الباعث هذا ، فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه … 

فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة من وجهين : أحدهما : من جهة دالّة العلم . والآخر من جهة الاحتكام والسلطنة . وذلك يرجع إلى الرياء وطلب الجاه، وهو الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي، وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن به المحتسب نفسه، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه، فإن كانت الحسبة شاقة عليه ثقيلة على نفسه، وهو يود أن يُكفى بغيره فليحتسب، فإن باعثه هو الدين . وإن كان اتعاظ ذلك العاصي بوعظه وانزجاره بزجره أحب إليه من اتعاظه بوعظ غيره فما هو إلا متبع هوى نفسه، ومتوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة حسبته، فليتق الله تعالى فيه، وليحتسب أولا على نفسه .” 

التنبيه الثاني  : أن فعل النصح فعل أخلاقي فيحرم أن يقدم عليه من طبعه الغضب والحدة لأنه لن يضبط تصرفاته على مقتضى الشرع : يقول الإمام الغزالي : ” وأما حسن الخلق : فليتمكن به من اللطف والرفق، و أصل الباب وأساسه، والعلم والورع لا يكفيان فيه ، فإن الغضب إذا هاج لا يكفي مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع قبول له بحسن الخلق . وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق ، والقدرة على ضبط الشهوة والغضب . “

التنبيه الثالث:  أن فعل النصح هو فعل حكيم لا يصدر إلا عن عالم بما يأمر به أو ينهى عنه، عالم بدرجات الأمر والنهي فيجب على الناصح أن يتلطف بالقول قبل أن يغلظ به ، ويجب عليه أن يراعي  الترتيب في ذلك ، فلا يقدم على التصرّف الأشد إلا إذا كان التصرف الرفيق لا يؤثر. 

النصيحة والإساءة الروحية :

في كتاب :” عن قرب” للدكتور شهاب الدين الهواري كلام  مهم عن أثر النصيحة على تشويه علاقة الناس بربهم حين يتعامل الناصح بنفسية الاستعلاء ويطالب المنصوحين بالكمالية الدينية .

كلام الدكتور الهواري له صلة بما تقدم الحديث عنه من علاقة النصيحة بأخلاق العناية، وله صلة أيضا بقاعدة مهمة من قواعد النهي عن المنكر، وهي أن النهي الواجب إنما يكون عن المحرم المتفق على تحريمه، لا ما اختلف العلماء في تحريمه ، وبالتالي فإن مطالبة الناس بالكمالية، والتزام النمط الأشد في حياتهم، دون مراعاة لمقصد التيسير، ورفع الحرج، فيه أذى عظيم ليس من نهج النبوة، وهو ضلال لا هدى. 

وهنا يرد سؤال مهم : كيف نعرف أن مسألة ما فيها خلاف معتبر، كيف لغير المتخصص أن يفرّق بين الخلاف المعتبر والخلاف غير المعتبر ، لا سيما أن هناك مسائل تتعلق بتفاصيل الحياة اليومية اختلفت فيها آراء العلماء ، ككشف الوجه ، و الزينة ، والموسيقى . 

وهنا لا بد من الكلام على مسألتين : 

إحداهما : أن غير المتخصص ليس له أن ينهى إلا عن منكر اتفق العلماء على تحريمه ، أما ما اختلف فيه العلماء ، فليس من شأن غير المتخصص أن يبحث في المعتبر من الخلاف أو غير المعتبر .

الثانية : أن أهل العلم الذين تلقوا علوم الشريعة بالسند المتصل ، واشتهر بين علماء الامة تقديمهم وعرفوا لهم مكانتهم العلمية ، هؤلاء هم العلماء الذي يؤخذ عنهم الكلام في الاختلاف بين العلماء . وهذه المسألة ليست مما يتعلق بموضوعنا تعلقا مباشرا ، لكني تطرقت إليها لأنه شاع عد مسائل مما يسوغ فيها الاختلاف مسائل شبه قطعية ككشف الوجه ، وسماع الموسيقى .

حديث النهي عن المنكر : 

قال صلى الله عليه وسلم : ” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ”  رواه مسلم

كنت قد ذكرت تنبيه الإمام الغزالي على أن الناصح يحرم عليه النصح بالشدة إلا حيث لم ينفع اللين ، وكلام الإمام الغزالي قد يبدو متعارضا مع كون الحديث جعل التغيير باليد أولا، وبيان ذلك أن الأدلة القرآنية كقوله تعالى لموسى وهارون عن فرعون : ” فقولا له قولا ليّنا لعله يتذكر أو يخشى ” سورة طه : آية 44 . والقواعد العامة التي أكدت على صيانة كرامة المسلم تؤكد على أن النصح ينبغي أن يتدرج من التلطف إلى الشدة، وهذا يجعلنا نفهم أن الحديث الشريف جاء في حال خاصة ، وهي حال المنكر الذي لا يحصل تغييره إلا باليد، أما ذكر التغيير باللسان وبالقلب فمحمول على إقامة شعيرة النهي عن المنكر وإن لم تحصل حقيقة رفع المنكر الموجود في الحال . وينبغي التنبيه على أن الإنكار باليد يشترط فيه أن يكون في منكر متفق على تحريمه وأن لا يترتب عليه منكر أشد، ومن العلماء من جعل الإنكار باليد مختصا بالحاكم أو من يوليه الحاكم ولعل ذلك دفعا لمفسدة أن تعطى السلطة للأفراد مما قد يحصل معه شغب وعداوات مع احتمال عدم الالتزام بضوابط الأمر والنهي . 

النصيحة بين الفكرة المجردة والتطبيق :

لعل من أهم الأفكار المتعلقة بفقه النصيحة هي فكرة الجانب الإنساني للنصيحة، وكما جاء في كلام الإمام ابن رجب الحنبلي: ” عناية القلب للمنصوح كائنا من كان “، إذن النصيحة هي فعل حي يراعي حال المنصوح ، ونفسيته ، وما سيترتب على نصحه من نتائج، ومن هنا أكد العلماء على فكرة مراعاة المآلات التي تحدثت عنها عند الكلام على حرية القبول ، أنت كناصح لا تلقي الكلام إلى جماد بل إلى قلب له حق العناية والرحمة والاحترام . لقد نبّه العلماء على أن الناصح ليس له أن يتوجه بالنصيحة إلى من سيزيده النصح عنادا، ويأثم الناصح إن لم يلتزم ما يجب عليه من فقه النصح ، لكن الأمر الأشد من العناد هو أن يقطع الناصح-غير الملتزم بفقه النصيحة- طريق النور أمام المنصوح ، فيوقعه في اليأس من رحمة الله. يتحدث ( آدم ) في حلقة : ( تجربة التعافي من المثلية الجنسية ) وهي إحدى حلقات بودكاست د.هبة حريري عن أنه كان يلجأ لمجتمع متدين –على الانترنت – في شرح معاناته مع الميول المثلية ، فكان الجواب الحاضر هو الكلام عن أن الله سيعذبه عذابا عظيما إن لم يتب، وأن من هم مثله تنتفي صفة الرجولة عنهم، وحشد لكل عبارات التخويف، والتبشيع ، وأن هذا النهج في تقديم النصح له جعله يشعر بالقنوط من الرحمة ، واحتقار النفس، وشعر حينها أنهم قطعوا الانتماء الذي بينه وبينهم ، لقد كان يسألهم لأنه يبحث عن رضا الله، ويريد من يعينه على التعامل مع ابتلائه، فكان كلامهم قطعا للطريق بينه وبين الله لولا أن رحمة ربي تداركته . لقد خلط هؤلاء الناصحون في كلامهم بين الحق والباطل، ولكن الحق الذي تحدثوا به كان كفكرة مجردة منقطعة عن بعدها الإنساني المتعلق بفقه قول الحق ، وفقه النصح ، فكان كلامهم بهذه الصورة في حق آدم باطلا ، لأن النصيحة فعل عناية ، وفعل هداية، وفعل بر ، لا فعل أذى ، وتحقير ، وصد عن دين الله . لا يكفي أن يكون الفعل الذي تأمر به أو تنهى عنه من محكمات الشريعة لكن يجب عليك أن تستحضر أن فقه النصيحة هو فقه عناية ومحبة يراعي الحالة الإنسانية الخاصة بالمنصوح ، ويعينه على الحق ولا يصده عنه . 

الاحترام أولا وآخرا: 

قرأت في فقه النصيحة وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبر سنوات، وكنت كلما قرأت تعلّمت أكثر عن رعاية الإسلام لمقصد احترام كرامة الإنسان ، وحريته، وطبيعته ، وأحواله ، وأن النصيحة هي فعل عناية واحترام لا فعل فيه سلطوية ولا استعلاء ولا أذى ولذلك قيّده العلماء بقيود ، وأكدوا على ضوابط تحافظ على جعله سببا لاستقرار الخير والفضيلة التي تحقق الفرد والمجتمع بالقيم دون عنت أو حرج أو اضطراب. 

لم تستوف المقالة كافة الضوابط التي ضبط بها العلماء فقه النصيحة، ولا المسائل التفصيلية الواجبة والمستحبة التي نبّهوا عليها، وكلها تخدم مقصد احترام كرامة الفرد، وتحقيق السلم الاجتماعي، واستقرار قيم المجتمع، لكني حرصت على التنبيه على مقاصد تغيب أحيانا عند تناول هذا الموضوع. والله الموفق. 


المراجع:

 الفتح المبين في شرح الأربعين للإمام ابن حجر الهيتمي . 

 الفروق للإمام القرافي .

 القواعد الكبرى . فصل في بيان وسائل المفاسد . . 

الفتوحات الوهبية بشرح الأربعين حديثا النووية للإمام الشبرخيتي المالكي. الحديث 34.  

 سنن الترمذي. باب : ومن سورة المائدة . 

 جامع العلوم والحكم ، شرح الحديث 34. 

 القواعد الكبرى . فصل في بيان وسائل المفاسد .. 

 جامع العلوم والحكم . شرع الحديث 7 .

 إحياء علوم الدين ، كتاب الأمر بالمعروف ،.

 إحياء علوم الدين . كتاب الأمر بالمعروف ، بيان آداب المحتسب .  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق واحد

  1. فاطمةsays:

    مقالة جميلة جدا💫

    حبيت اضيف معنى قرأته لهذا الحديث (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان)

    هو ان ‘ذلك’ اسم اشارة للبعيد ويعود على يده، اضعف الايمان هو انكار المنكر باليد وليس بالقلب والله اعلم

  2. أحمدsays:

    النصيحة بمفهومها المطروح في السياق الديني هي فعلٌ استعلائي – بغض النظر عن طبيعتها – ذلك أنها تُقدّم كتوجيه مباشر لما على المنصوح أن يكون عليه بالنهي أو الأمر انطلاقاً مما يعتقده الناصح.. وهو ما تمثّل في الخطاب الوعظي، الذي لم يستطع فهم النصيحة إلا في سياقها التوجيهي المباشر، وفي النطاق الأخلاقي.
    أفكّر فيما إذا كان بالإمكان تجاوز هذا المفهوم للنصيحة إلى كونها عملية معرفية تنطلق من تقديم خطاب معرفي ينطلق من حاجات العصر وأسئلته بقصد تقديم رؤية متسقة مع تطور الحياة.

Join our mailing list

Be the first to know about our new products and promotions and enjoy the enriching weekly newsletters.