auther

أحمد مشرف

author

آخر تحديث يونيو 5, 2022

الوسوم
  • الاعلام
  • الفن
  • الفنانين
  • وسائل التواصل

لا تقرأ التعليقات

post Image>

من أفضل القرارات التي اتخذتها في حياتي الفنية الكتابية كانت في إزالة خانة التعليقات من مدونتي. حرصًا على سلامتي النفسية، وحفاظًا على الجهود التي يهتز فيها توازن الكاتب مع قراءته للتعليقات.

«البشر سيئون في تفسير مشاعرنا غير العقلانية في سياق عقلاني» كما يقول سيث جودين أحد المدونين المعروفين، والذي استلهمت منه فكرة حذف خانة التعليقات. الاعتماد بشكلٍ كبير عليها كمصدر للأفكار أو الإلهام (أو حتى كمصدر للبحث عن انتقاد بناء، والذي لا أؤمن به كثيرًا هو الآخر في عالم الفنون) فكرة ليست جيدة على الإطلاق.

نفهم نقطة «مشاعرنا غير العقلانية في سياق عقلاني» عندما نقرأ تعليقات أحد المشاركين على «خرائط جوجل» بوضعه نجمة واحدة على التقييم العام للمطعم بسبب أنهم لم يردوا على الهاتف، أو أن النادل لم يبتسم له عندما أعطاه الفاتورة، ليتناسى كل الجوانب الأخرى في تجربته مع المطعم. وعلى النقيض أذكر إحدى تعليقات الكاتب بلال فضل معبرًا عن استغرابه من كُتّاب التعليقات على موقع Goodreads عندما يعبرون عن حبهم لأحد كُتبه أو في بعض الحالات يذكرون «أن أحد كُتبه قد غير حياتهم» مع وضعهم ثلاث نجمات فقط من خمسة في التقييم.

تعليقات مختصرة وسطحية:

على غِرار هذه التعليقات، تجد «لا أتفق» موجودة أسفل خانة التعليقات على مقالة كان الكاتب قد صرف ما يقارب الساعتين على كتاباتها، أو في بعض الحالات قد نجد تعليقات إيجابية مقتضبة بوضع إيموجي. وبالطبع إن تفاعل الكاتب مثلًا مع التعليقات بسؤاله «لماذا لا تتفق؟» سيحصل على تعليق آخر مقتضب أو إسهاب متبوعًا بالأخذ والرد في سياق مُضلِل للمتابعين. 

عدة مقالات كُنت قد كتبتها في السابق عن ضرورة وجود آلية مقننة ومحددة ومنظمة للبحث عن الإنتقاد (والذي أرفض فكرته التقليدية بشكلٍ عام)، والتعليقات بلا شك ليست أحدها، ولا يجب تركها مفتوحة على مصراعيها لتصل إلينا. أسباب كثيرة تدفعني لهذه القناعة، أحدها أن أصحاب الفنون بشكلٍ عام بالكاد يدفعون أنفسهم لإنجاز المزيد من الأعمال في ظِل امتلاكهم لالتزامات وأعمال أخرى تزاحمهم، ومع كل انتقاد، قد يلجأ الفنان إلى مراجعة نفسه والتوقف عن العمل، ولا يملك الكثيرين اللياقة النفسية للتحمل والاستمرار بعدها، في حين أن أم الفنون هي «الاستمرارية في العمل» بغض النظر عن الجودة، والانتقاد هو المهدد الأكبر لذلك.

إلى الكُتّاب: اكتب والباب مغلق

 التحدي الأول الذي يواجه الفنان ليس كمية الإبداع التي يمتلكها. بل الحفاظ على الإلتزام، المصحوب بسلسلة من الانتاج. والفنانين في النهاية بشر، أقل تعليق يمكن له أن يقلب نفسياتهم، وأن يدفعهم أو يحبطهم عن الاستمرار في العمل، ومن غير المنصف أن تتعطل المسيرة بسبب تعليق مقتضب.

ثانيًا، أن السمة العامة في التعليقات لا تواكب جدية العمل نفسه. ومن تجربتي، يقوم في العادة صاحب التعليق الجدي بأخذ خطوة متقدمة بالبحث عن بريدي الإلكتروني ليكتب لي عن سبب اتفاقه أو اختلافه عمّا كتبت، وهذا الأمر ربما يستحق الانتباه له ويجب الرد عليه.

في الحقيقة توقفت أيضًا منذ زمن طويل عن قراءة معدل الزيارات على مدونتي، والتي تتأثر باختيار الكلمات في المقالات والعناوين، فلا أود أن أُغير من أسلوب كتابتي أو الاعتماد على مفردات تخدم آلية البحث SEO بسبب نقص أو ارتفاع معدّل الزيارات بناءً على «لوغاريتمات». الدافع التقني ليس سببًا وجيهًا يحدني على تغيير المسار والأسلوب الكتابي. أحاول التسلُّح عوضًا عن ذلك على مهارة إنسانية أكثر قيمة، وهي الانضباط كما قلت، وملامسة ما يهمني ككاتب وقارئ وما أجده ملامسًا للقراء. 

كثيرًا ما أحصل على نصائح من أحبتي المطورين والمتخصصين في التسويق الإلكتروني بأن أعطي بعضًا من وقتي للانتباه للمقالات والمواضيع أو الكلمات الأكثر جلبًا للزيارات لأكتب عنها المزيد، وهذا الأمر فيه مشاكل كثيرة إحداها الاستجابة للنزعة الإنسانية التي تميل للإثارة والسلبية والتفاهة عوضًا عن المواضيع المهمة، ودليلي على ذلك: غزارة أخبار الفنانين والمشاهير التي تظهر في خانة البحث على تويتر مثلًا، والتي تبدو مثيرة ومهمة في ظاهرها، ومضيعة لوقت الباحث. 

وقد أحصل على الكثير من الزيارات إن خصصت مدونتي لنشر الفضائح وأخبار المشاهير، إلا أن الزائر سيتعامل لاحقًا مع صفحتي مثل تعامله مع مواقع الأخبار دون وجود قيمة لحياته من كتاباتي وهذا ما لا أريده طبعًا، وهنا ستكون أرقام «الزيارات» كبيرة والقيمة «صفر». وفي النهاية يجب علينا التفريق بين مهمة المسوِّق الإلكتروني وبين مهمة الفنان الحقيقي، الذي يبحث ويربط الأفكار ويخلق أعمالًا إبداعية تُغير داخل المتلقي الشيء الكثير. 

بخصوص الفنانين المبتدئين.. 

أطلب منهم طلب المحب (وليس الناصح) بألا يشاركوا أعمالهم غير المكتملة مع أي شخص أو أمام العامة. فلا قيمة لذلك، والضرر أكبر بكثير من فرصة البحث عن بعض التحفيز. وأكرر اقتراحي التقليدي: بأن تتم مشاركة أي عمل بعد أن يتم الانتهاء منه تمامًا مع أشخاص محددين مختارين، ليتم التعديل بعدها، أو كما يقول الروائي ستيفن كينج «اكتب والباب مغلق، أعد الكتابة والباب مفتوح»، في إشارة إلى فتح باب النقد (بحدود) بعد الانتهاء تمامًا من العمل.

وبالنسبة للتعليقات (خصوصًا على انستجرام وقنوات التواصل الاجتماعي الأخرى) فإنني أقرأها كلها دون استثناء، ويصعب عليَ بصدق أن أكرِّس وقتًا للرد عليها جميعًا، وأنا متأكد من رغبة بعض المخلصين والتي تتمثل في صرفي المزيد من الوقت في خلق شيء جديد عوضًا عن التفاعل المستمر في التعليقات والتي تأخذ حيزًا كبير من الانتباه، وقد أدّعي أن الحصانة النفسية داخلي والتي ادخرتها عبر السنين تعطيني نوعًا من الثبات عند قراءة السلبيات. ولا أنكر أن هذا الأمر قد أتى بعد سنوات من العمل، ففي بداياتي كنت أشاهد التعليقات الإيجابية مبتسمًا على كُتبي في موقع Goodreads وبمجرد ظهور تعليق واحد سلبي بين العشرات، أشعر بحزن شديد من صاحب التعليق، لدرجة أن نومي يتأثر منه،  خلق الحصانة هو كلمة السر هنا «سنوات من العمل» أو «الخبرة»، وهي التي جعلتني لا أميل كثيرًا اليوم للانتباه لها كما ذكرت في بداية المقالة؛ بأن أن البشر على الانترنت ليسوا عقلانيين بما يكفي، وربما أختصر الطريق على القارئ الكريم بإخباره الآن.

وفي نفس الوقت أحرص بالرد على كل الإيميلات تقديرًا لتعب صاحبها في كتابتها وجدية النية خلفها.

كان الله في عون الجميع.

Photo by cottonbro: https://www.pexels.com/photo/person-holding-white-android-smartphone-5053765/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا توجد تعليقات

Join our mailing list

Be the first to know about our new products and promotions and enjoy the enriching weekly newsletters.