الآلة المعطوبة 3 | التلاعُب المُتعمّد

post Image>

المراهقة والمغنية ليل ميكويلا التي صنفتها التايم كواحدة من أكثر 25 شخصية مؤثرة على الإنترنت لديها أكثر من ثلاثة ملايين متابع على حسابها الرسمي الموثق في انستغرام. مثلها مثل الكثير من المؤثرين تنشر ليل صورًا وفيديوهات مرحة لها، من ضمنها الترويج لبعض المنتجات لشركات كبرى تعاقدت معها. لكن ثمة فرق جوهري: ليل ليست حقيقية. هي شخصية الكترونية مصنعة بالكامل، وليست الوحيدة. وهذه الحسابات قد تفصح عن حقيقتها لكن مع مرور الوقت كم شخصية سيتم توليدها رقميًا بالكامل ولن نعرف أنها مزيفة، خصوصًا مع صناعة الوجوه عبر الذكاء الاصطناعي والتقدم في تقنيات الزيف العميق.

كيف سيكون الأمر مثلًا حين يتابع الملايين من المراهقين شخصًا في عمرهم يعتبرونه قدوة لهم إذا كان في حقيقة الأمر ليس شخصًا على الإطلاق بل فريق التسويق لشركة تحاول التأثير عليهم؟ والأمر ليس مستقبليًا فقط، فالخبير العسكري الأمريكي ديفيد جوبيرغ مثال جيد على خبير قام بالترويج لأجندة سياسية معينة عبر الانترنت وعبر وسائل إعلامية حقيقية قامت باستضافته ثم اكتشفنا أنه شخص غير موجود أصلًا. نحن لم نسلم من تضليل المؤثرين الحقيقيين حتى نبدأ بالقلق من المؤثريين المختلقين!

هذا هو التحدي الثالث: القدرة الاستثنائية التي وفرها الانترنت للتلاعب المتعمد بك وبما ترى في بيئة معلوماتية تصل فيها الأخبار الكاذبة بشكل أسرع بكثير من الصادقة. حين نضيف هذا التحدي إلى التحديين الأول والثاني سنرى فعلًا سبب الحيرة حول مستقبلنا المعلوماتي ومدى عرقلة الإنترنت لقدرتنا على التفكير والتحليل والبحث.

تبحث عن معلومات أو مادة معرفية فتتم فلترة النتائج بناءًا على موقعك الجغرافي وتاريخك الشرائي وسوابق اهتماماتك الرقمية. تبدو نتائج البحث محايدة موضوعية لكنها مصممة خصيصًا لك. تبحث عن منتج معين فتجده يظهر لك مرارًا في الدعاية الرقمية، وقد يحصل قريبًا أن تمشي في الشارع فتتغير اللوحات الاعلانية حولك لتكون مصممة خصيصًا لاستهدافك أنت ومخاطبة نقاط ضعفك.

لكن التسويق بالاستهداف ليس أخطر ما في الأمر. الاختراق الرقمي مقلق بشكل أكبر وقد يصل لنطاق واسع جدًا مثل حادثة اختراق كل عنوان بريد إلكتروني لدى ياهو (ما يصل لنحو 3 مليار حساب)، وهذه الاختراقات يمكن استعمالها في التلاعب والتضليل. يزداد الخطر حين يتم شراء بياناتك المسروقة في الخفاء للتأثير على قراراتك الشرائية أو ميولك السياسية أو لمجرد ابتزازك.

تعد فضيحة كامبردج أناليتيكا من أوضح وأخطر الأمثلة على خطورة التضليل في زمن البيانات الضخمة، كشفت الفضيحة وجود جمع غير قانوني للبيانات طالت عشرات الملايين من الأفراد للتأثير عليهم سياسيًا، وهو مثال صارخ لا يزال يتردد صداه إلى اليوم وسبب تشكيكًا في العملية الانتخابية برمتها في أمريكا (وفي دول أخرى كما ورد بالفيلم الوثائقي الاختراق العظيم)، وقد كانت تسريبات إدوارد سنودن قد سلطت الضوء من قبل على عمق مشكلة الخصوصية لكنها أبرزت أيضًا عمق أزمة الديموقراطية في عالم بلا أسرار.

نموذج تضليلي آخر يكمن في الخداع الرقمي للتلاعب بالتصويت أو عدد الإعجابات أو إعادات التغريد أو رواج الوسم وما إلى ذلك، كل هذا قد يبدو لنا كأنه صادر من أشخاص عاديين يمثلوا مجتمعاتهم تمثيلًا صادقًا بينما قد يكون في الحقيقة مجرد bot يؤدي المهمة بشكل تلقائي، أو جزءًا من جيش وهمي ينشر معلومات مضللة ويغير دفة النقاش المجتمعي بشكل متعمد، ويعتقد أن هذا جزء مما فعلته الصين في جائحة كورونا.

الخطر الأكبر

وهنا يظهر الخطر الحقيقي. قد تكون تجليات التضليل كثيرة، لكن الأمر يأخذ منحى أشد خطورة حين تقوم جهات ضخمة وقوى عظمى باستخدام هذه الأدوات وغيرها للتضليل الممنهج. في السنوات الأخيرة اكتشفنا قيام روسيا بالتلاعب الرقمي في الخفاء لتضليل المواطن الأمريكي، بل وانتصرت على فيسبوك في مجاله مما سبب صدمة ومراجعة داخل الشركة وتغيير في سياساتها بل وتقرر خفض إمكانية وصول المحتوى الإخباري إلينا (مما قد يحل بعض المشاكل لكنه يخلق أخرى بما فيها قتل المنصات الإخبارية المستقلة قليلة التمويل، وهذه معضلة تضاف لأعطاب الآلة المعطوبة!). تويتر كذلك أعلن إلغاء ما يصل لـ 200 ألف حساب مرتبط بروسيا وأخطرت نحو 1.4 مليون مستخدم أنهم قد تفاعلوا مع حسابات مرتبطة بروسيا، حتى أن حسابًا كان ينظم الاحتجاجات لأجل حقوق السود بأمريكا على تويتر وفيسبوك يبدو الآن أنه لم يكن سوى عملية روسية. فما قد يبدو لك أنه تكاتف شعبي عفوي قد يكون في حقيقته عملية تضليل ضخمة تستغل نقاط انقسام لإحداث الفوضى.

ثم تصل الديستوبيا إلى مداها الأقصى في دمج كل هذا مع المراقبة الشديدة وتقنيات التعرف على الوجه والبث المتواصل من الطائرات المسيرة مع قمع مباشر على الأرض، وهو النموذج الذي نراه يتبلور الآن في الصين خصوصًا بمنطقة تركستان الشرقية (شينجيانغ) التي تحولت لما يشبه المختبر الضخم للتجارب والأدوات التي يمكن تعميمها وبيعها لاحقًا. إنه نوع جديد من الحرب وأغلبنا لا يعرف عنها شيء.

الطموح الصيني يتجاوز الصين نفسها إلى التوسع حول العالم عبر مشاريع ضخمة مثل “طريق الحرير الرقمي” ويتجاوز مجرد تطوير أدوات وتقنيات إلى امتلاك ناصية صناعات الاتصال والتوسع الشرس في إتقانها وتصديرها للعالم، ثم أدلجة ذلك كله في إطار فكرة “السيادة الرقمية للدول” كبديل للإنترنت العالمي المفتوح للجميع، وهو نموذج يتيح للدولة أن يكون لها الانترنت الخاص بها ووسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بها وأجهزة اتصال من تصنيعها وخوادم الشركات الأجنبية تضطر للتواجد على أرض الدولة، وهكذا. حتى البحث عن أشياء بسيطة لها انعكاس سياسي يمكن السيطرة عليه في هذا النموذج، وحتى تحميل تطبيق VPN شائع حول العالم يصبح متعذرًا. هذا النموذج بأبعاده المختلفة سيصبح نموذجًا يمكن تصديره وتغيير البيئة المعلوماتية الدولية بشكل حاد.

خاتمة

في السنوات الأخيرة صارت الأخبار الكاذبة موضوعًا أساسيًا في النقاشات والدراسات الإعلامية، مع محاولات متعددة لمواجهتها وتشريحها، وينضم لها النقاش حول جرائم التجسس وحملات التضليل وخطورة تخزين هذا الكم غير المسبوق من البيانات، لكن كل هذه النقاشات لم تصل لحل جذري وفي النهاية تصطدم عادة بأسئلة فلسلفية وأخلاقية أبعد بكثير من الناحية التقنية المباشرة. دوران آلة الإنترنت جعلها أسرع من أن نتمكن من اللحاق بها أو السيطرة عليها، ولهذا أقول انها معطوبة ومن الضروري أن نفهمها بشكل أعمق كونها تهيمن على حياتنا اليومية، ومن الضروري أيضاً أن ننوع مصادر المعرفة الحقيقة لدينا كي لا يكون الانترنت مصدرنا الوحيد. أما إصلاح الآلة نفسها فقد يكون مستحيلًا. يبدو أننا وصلنا لنقطة اللاعودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق واحد

  1. نهاد مكيsays:

    فعلا .. الالة المعطوبة أصبحت مخيفة أكثر من كونها ذات فوائد كبيرة ..
    سلسلة مقالات رائعة وعميقة ..
    سلمت أناملك .. وبوركت

Join our mailing list

Be the first to know about our new products and promotions and enjoy the enriching weekly newsletters.