بين علوم النفس وتزكية النفس

post Image>

مؤخرًا ازداد اللجوء للـ”نفس” في حياتنا المعاصرة وبعدة طرق، منها علم النفس والطب النفسي ومنها مجالات رديفة – وليست دائمًا على وفاق – مثل التأمل واليوجا والطاقة ومرشدو الحياة Life coaches ومفاهيم على وزن العناية بالنفس وتطوير النفس ومساعدة النفس والاتصال بالنفس إلخ.

هي مجالات مختلفة، وأحيانًا متناقضة ومتعارضة، لكنها بالنسبة للإنسان العادي متشابكة على أرض الواقع، فيلجأ لها الكثيرون دون تمييز لأنهم يشعروا بالاستفادة من علم النفس الأكاديمي وكذلك من مجالات أخرى حتى حين تتعارض مع الطرح الأكاديمي، بل وقد لا يلحظوا التعارض. هذا المقال يتحدث عن علم النفس بمعناه الموسع: الأكاديمي والشعبي أيضًا، المجالات الحديثة لمحاولة إنقاذ الذات من الاكتئاب والقلق والتوتر والخوف والإرهاق النفسي والرهاب الاجتماعي والمثالية المفرطة … إلخ.

ولا أضع هذه المجالات المختلفة معًا لأنها متشابهة في الفهم الشعبي فقط، ولا لأنها كلها صارت متوفرة بكثرة في حياتنا الرقمية وتقدم نفسها بثقة فقط، ولكن أيضًا لأن انتعاشها يعود – بالنسبة لي – لظاهرة واحدة وهي العطش الروحي العالمي. العطش الذي يزداد في حياة مادية استهلاكية تنافسية تقوم على المظاهر وعلى إتقان الشكل الخارجي وعلى إنجازاتك الوظيفية وعلى الترويج المستمر لسلع وخدمات وشخصيات وأفكار والسعي المتواصل لزيادة الثروة والشهرة والمتابعين ومحاولة إبهار الكل بسيارتك وساعتك ولبسك وصور سفرياتك، حياة تتفنن في المظاهر ولكنها تهمل البواطن، حياة تستمر بلا مرجعية وبلا فهم واضح وبلا هدف محدد إلى أن تنتهي. في حديثه عن مكافحة القلق والاكتئاب يقول الطبيب النفسي البارز ديفيد بيرنز أن أحد جذورهما هو ترسخ الفكرة المعاصرة بأن قيمة الإنسان تتناسب مع إنجازاته و”يمثل هذا التوجه جوهر الثقافة الغربية وأخلاقيات العمل المتزمتة”.

يلجأ الإنسان في هذا العطش لأي إرواء داخلي، كل إنسان ولد بهذا الشوق الباطني ولا يستطيع الفكاك منه، لا المتدين يستطيع ولا الملحد، الإنسان أضعف من أن يهرب من أصله السماوي أو يمحوه. الروحانية المعاصرة ظاهرة كبيرة متشابكة ومتنامية ولم نفهمها أو ندرسها كما ينبغي بعد تشمل انطلاق أديان العصر الجديد واختراق معتقداتها للمجتمع الأمريكي وغيره.

جزء منها هو روحانية علمانية معلبة مسلعة ومجهزة لكل المقاسات، روحانية بلا إله، روحانية بلا دين، ادفع لنا المبلغ المطلوب وستقضي أسبوعين مع رهبان في دير يعلموك التأمل والسلام الداخلي حتى لو كنت لا تؤمن بدينهم بل حتى ولو كنت لا تؤمن بأي دين أصلًا. السلعة متاحة بمقاس يناسب الجميع ومصممة بحيث لا تجرح شعور أحد، واحتوت في بعض الحالات على إشباع مباشر للغرائز الجنسية كنوع من الترقي الروحي المزعوم.

الروحانية المعاصرة تشمل الكثير من التجليات المختلفة والمتعارضة، أغلب هذا المقال سيركز على تجلي واحد وهو علم النفس بمعنييه الأكاديمي والشعبي المنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي. المفهوم الشعبي الشائع لعلم النفس يروج له بعض غير المختصين ويغذيه بعض المختصين أحيانًا، وذلك بسبب ضغط وسائل التواصل الاجتماعي عليهم ليقدموا محتوى غير معمق سريع مختصر جاهز لاستهلاك الكل ويقوم غالبًا على فكرة How to، من نوعية “كيف أتغلب على الاكتئاب في خمس خطوات” وما شابه، دون اعتبار للاختلاف الكبير بين كل حالة والأخرى، تاريخها وتطورها وأعراضها والسياق الذي نشأت فيه، وهو جزء من عرقلة الإنترنت لمهاراتنا العقلية كما ناقشت في مقالين سابقين هنا وهنا.

ومنعًا للالتباس المتوقع، هذا المقال ليس هجومًا على علم النفس، ولا رفضًا له. هذا المقال هو اجتهاد أولي فقط في محاولة فهم التوترات الخفية بين علم النفس الحديث وبين تزكية النفس في الإسلام، ليس بهدف إلغاء علم النفس بل بهدف محاولة فهم عدم التوافقات وربما الوصول يومًا ما لإصلاحها بحيث يستفيد المعالج النفسي من أدبيات التزكية ويستفيد المزكي والمتزكي من أدبيات علم النفس. هذا ليس هجومًا على كل علم النفس وإنما سعيًا نحو تفكيك المفاهيم التي صارت شعارات نقبلها بلا تأصيل ولا تفصيل. ولأن هذا المقال هو استكشاف أولي فهو لا يسعى لتقديم جواب شافي أو بديل متكامل، هو فقط بداية النقاش، لا آخره.

ما هي تزكية النفس؟

أقصد بتزكية النفس هنا مجال الدراسات الإسلامية الذي يهتم بمجاهدة النفس وتطهير القلب والذي برع فيه أعلام مثل حجة الإسلام الغزالي، هو المجال الذي يسعى لتهذيب القلب إلى أن يعبد الله كأنه يراه، هو العلم الذي يناقش بعمق مواضيع مثل الحسد والغضب والكبر والعجب والرياء والبخل وكسر الشهوتين (شهوة البطن وشهوة الفرج) ومقامات التوبة والخوف والرجاء والرضا والزهد والصبر والشكر والتوكل والحب والشوق والأنس بالله… إلخ للوصول إلى الإحسان، وعرف بأسماء أخرى مثل “الرياضة” و”التصوف”. بهذا المعنى هو من أجل وأجمل العلوم الإسلامية ومن أهمها خصوصًا اليوم، وقد ظلمنا أنفسنا كثيرًا بإهمال هذا العلم – ضمن إهمالنا وتراجع اهتمامنا بالعلوم الشرعية كافة – كما ظلمنا أنفسنا حين حارب بعضنا علم التزكية تحت مظلة محاربة البدع مما أدى بهم – دون قصد – أن يلغوا روح الدين من الدين ويجعلوا الإسلام مقتصرًا في جله على العبادات الظاهرة، فازداد العطش الروحي وازدادت الحاجة لإروائه ولو من مصادر خاطئة. زادت المشكلة بسبب الخلط المتكرر بين تزكية النفس كعلم شرعي متقن وبين البدع المقحمة والطقوسية المفرطة والتصوف الجماهيري السطحي. تزكية النفس حقل متطور ومنسي يتفوق في بعض جوانبه على علم النفس الأكاديمي من ناحية، وعلى كل تجليات الروحانية المعاصرة غير الأكاديمية من ناحية أخرى.

عالم عطش

نعيش اليوم في عالم جاف روحيًا، حياة متسارعة مليئة بالانشغال المتواصل بالدراسة والعمل ومراكمة الثروة والتنافس على الشهرة والاطلاع اليومي على مئات أو آلاف المنشورات والإعلانات والصور والفيديوهات والرسائل والأخبار مع تغذية مستمرة ومتطورة ولا محدودة لصناعة الترفيه من أفلام لمسلسلات لألعاب الكترونية لتطبيقات هاتفية… إلخ. لا وقت للروح كي تتنفس، نعيش بهذا الشكل يومًا بعد يوم كالسائر في نومه، ثم نموت. عشنا كأننا لم نعش! العالم اليوم في مرحلة متقدمة من الغفلة تغذيها صناعات ضخمة ماهرة واسعة النفوذ.

ساهم هذا العطش في انتعاش تجارة الروحانيات والتي راجت في الغرب – حيث العطش أعلى – وكان من تجلياتها حركة المرشد الروحي الهندي باغوان شري راجنيش (يعرف اليوم باسم أوشو) التي جذبت الآلاف في مقرها الأمريكي حيث مورست الكثير من الإباحية الجنسية وتورطت المجموعة في الكثير من الأمور بما فيها أول هجوم إرهاب بيولوجي في الولايات المتحدة عام 1984 في محاولة لعرقلة انتخابات محلية. رغم ذلك لا يزال أوشو، المشهور بالجنس والبذخ وسيارات الرولز رويس، شخصًا يحتفي به الكثيرون اليوم كرمز روحاني وكرجل حكيم ولا يزال أتباعه المستمرون في مؤسسات خاصة بإرثه يربحون الملايين من خدماتهم “الروحانية”. كانت قصة أوشو مثالاً متطرفًا، لكن العديد من الأمثلة الأخرى الأقل شهرة وأقل تطرفًا برزت في كل مكان، مثل كنيسة الملحدين في سياتل الأمريكية و”تجمع الأحد” بلندن الذي يعرف باسم “كنيسة الملحدين” وانتشر في عدة أماكن بالغرب.

البشرية تعيش عصرًا صعبًا ينطوي على العديد من التحديات التي لا يمكن مواجهتها بالسبل المادية فقط وبدأت التناقضات تقع في المجتمعات المسلمة التي لم تسلم بطبيعة الحال من موجة الحداثة الغربية ذات الطابع العلماني. وصلنا لمرحلة صار من الشائع أن تسمع عن اتباع مرشد روحي لا يؤمن بالله ولا بأي دين ولكننا نرفض فكرة الشيخ المرشد المزكي! نؤمن بالتأمل الجماعي ونرفض الذكر الجماعي، نؤمن بإرسال الطاقة الإيجابية والسلبية لكن ننكر الدعاء والحسد.

بتنا نقبل بلا نقاش مفاهيم مبتكرة غير ملموسة مثل اللاوعي والأنا والهو والأنا العليا – على فوائدها – ولا نقبل مفاهيم أخرى غير ملموسة مثل البركة والعافية والرقية والنفس المطمئنة، حتى حين يشكك علم النفس نفسه في بعض مفاهيمه هو. نقبل الترقي الباطني عبر تمارين التأمل والتنفس واليوغا لكن نهملها عبر الذكر والخلوة والاعتكاف والدعاء. يقول لك أحدهم “سأرسل لك طاقة إيجابية” أو”good vibes” لكن لا يقول “أدعو لك بظهر الغيب”، وامتد ذلك لأحاديثنا عن الكون كله، فنقول “غضب الطبيعة” و”انتقام الأرض” و”عبقرية المخ” حتى في السياق “العلمي” الذي من المفترض أنه يتجنب الغيبيات، أما خارج السياق العلمي فنتكلم عن الكارما وعن الطاقة والأبراج والنوايا التي تجذب الخير والشر وغير ذلك من الغيبيات وكأنها مسلمات نهائية.

ويزداد الوضع تعقيدًا مع صعوبة الوصول لعلماء تزكية حقيقيين ومتمكنين، صرنا غالبًا لا نعرف من شيوخ الدين سوى المشاهير منهم والقلة التي تفتح لها أبواب الإعلام. صار الكوكب كله في حاجة للمرشدين الحقيقيين، “وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا”.

لقاء هادئ بين تزكية النفس وعلم النفس الأكاديمي وعلم النفس الشعبي

تتكرر أنماط معينة اليوم منها على سبيل المثال فكرة “حب نفسك حب غير مشروط” أو “الوصول للرضا عن النفس” وأن “تتقبل نفسك كما هي” وتشيع هذه المفاهيم عند العامة – وبعض المختصين – رغم وجود نقد وتطوير داخلي في علم النفس تجاهها. هذه المفاهيم من وجهة نظر التزكية قد تبدو أحيانًا كأنها فكرة جيدة لم تنضج بعد ولم تتبلور كل أبعادها، وأحيانًا قد تبدو كأفكار مضللة ومضرة. كان ابن عطاء الله السكندري يقول إن “أصل كل معصية وغفلة وشهوة: الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة: عدم الرضا منك عنها”، وهو تشريح بسيط ودقيق ويرتبط بمفاهيم أخرى (سنتطرق لاحقًا للرجاء في الله وتحريم القنوط من رحمته). الوصول للرضا عن النفس – بهذا المفهوم الواسع الفضفاض – يعني ألا يكون لديك دافع حقيقي للتغيير نحو الأحسن، لماذا تمارس الترقي إذا كنت راض عن مكانتك الحالية؟ يكمل ابن عطاء قائلًا “ولأن تصحب جاهلًا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالمًا يرضى عن نفسه، فأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟”. العلم الحقيقي يورث عدم الرضا عن النفس، بمعناه الإيجابي النوراني لا بمعناه السلبي، لأن الترقي الروحي مرتبط بالله عز وجل، والعلم بالله عز وجل يزيدك في الترقي وفي فهم معنى “سبحانك ما عبدناك حق عبادتك”، فتترقى أكثر وأكثر بشكل لا نهائي.

لذلك صار لابد من تهذيب مفاهيم “حب نفسك” و”اقبل نفسك” أو حتى رفضها. ما الحكمة من قبول مفاهيم إشكالية وتحويلها لدوغمائية عقائدية مستحدثة نسعى لها سعيًا إيمانيًا كله ثقة غيبية بفضيلتها وفائدتها؟ ومثلها مفاهيم الحب/التقبل غير المشروط، لماذا غير مشروط؟ هل لو ارتكب من أحب جرائم اغتصاب وقتل سأقول له أني أحبه بنفس المقدار لأن حبي لم يكن عليه أي شروط؟

مثال آخر نجده في التنافر بين مفهوم “السلام مع النفس ومفهوم “مجاهدة النفس”، فهناك فرق جوهري بين مسالمة نفسك وبين محاربتها. مجاهدة النفس طريق طويل وممارسة يومية قائمة على تطهير الباطن، هو تحرير للنفس من أسر الشهوات والمعاصي والدناءات التي تكبلها وتشكل طبقات من الحجب على بصيرتها. هذا الخروج من الأسر هو الحرية التي تحدث عنها علماء التزكية، يقول الإمام الغزالي “وأما الحرية فالخلاص من أسر الشهوات وغموم الدنيا …” ويقول الإمام الحداد “إن شئت أن تكون حرًا فاترك كل أمر إن لم تتركه اختيارًا تركته اضطرارًا”، بل هذه هي الحرية كما فهمها الكثير من فلاسفة العالم لقرون، لم يتغير مفهومها إلا في العصور المتأخرة فانقلب وصارت الحرية هي حرية إشباع الشهوات وتحقيق أقصى قدر ممكن من اللذة والمتعة. لقد “أعيد تصور الحرية بشكل جذري، حتى لو أبقي على الكلمة نفسها. لطالما كان يعتقد أن الحرية هي حالة الحكم الذاتي التي تعيق خلق الطغيان داخل كل من الكيان السياسي والروح الفردية على حل سواء. وهكذا فقد كان الاعتقاد أن الحرية تنطوي على الانضباط والتدريب على كبح جماح النفس عن الرغبات…” كما يقول عالم السياسة باتريك دينين في كتابه “لماذا فشلت الليبرالية“.

هذه تغيرات فلسفية جوهرية هيمنت على واقعنا المعاصر ودخلت في كل مجالات الحياة بما فيها المجالات الأكاديمية التي يعتقد البعض أنها دومًا “محايدة” و”موضوعية” ونقاشنا حول هذه الأسس المعرفية التي بنيت عليها حضارتنا الحديثة ضروري.

مثال ثالث نجده في درجة من التعارض بين اعتبار الندم شيء سلبي على الصحة النفسية وبين فكرة النفس اللوامة. الندم على الذنب علامة حياة مهمة وهو شرط للتوبة، مفهوم “سامح نفسك” إشكالي وفضفاض بشكل زائد عن اللازم ومن السهل إساءة استغلاله لتجاوز تبعات أعمالك. صحيح أن هناك في الطب النفسي من يفرق بين الندم الإيجابي – الذي يدفع نحو العمل والتصحيح – وبين جلد الذات السلبي المكبل الذي يصبح عائقًا لاستمرار الحياة، لكن صار هناك ميل عام لاعتبار أن الندم شعور يجب تجنبه وأن وجوده علامة على عدم سلامة الصحة النفسية.

في الفهم الإسلامي أنت مسؤول عن آداء واجباتك لا عن نتائج عمل. لقد كلف النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم مهمة، إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومع ذلك يقول الله له “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء”، فأنت مكلف بالعمل لا بالنتيجة، “وما على الرسول إلا البلاغ المبين”. ترسيخ هذه المفاهيم الإيمانية يعني أنك تشعر بالمسؤولية أمام الله في تأدية ما عليك من واجبات، أما ثمرة ذلك فهي تخضع لحسابات إلهية أخرى، وبالتالي لا تضطرب نفسيًا إذا لم تحقق النتيجة المرجوة من مشوارك الدراسي أو التجاري أو الوظيفي مثلًا.

بعد هذا الاستعراض أسأل: هل يمكن التوفيق بين رفض الندم وبين الترحيب به؟ في نظري نعم، ما نحتاجه هو وضع تفاصيل للمفهوم بدل تركه فضفاضًا، فمن ناحية الكل ممكن أن يتفقوا على أن الندم وسيلة، حين يدفعك للعمل والتصحيح فهو مطلوب أما حين يصيبك بالشلل والانتكاس فهو مرفوض. وعلماء التزكية يربطوا الأمر بالله مرة أخرى وشرحوا كثيرًا عن استعمال الخوف والرجاء كأدوات، أحيانًا الرجاء يكون أنجع في تحريكك للخير وأحيانًا الخوف، فهي موازنة مستمرة يحكمها المنع من أن تتطرف في الرجاء إلى أن تصل للأمن من مكر الله أو تتطرف في الخوف فتصل للقنوط من رحمته.

من ناحية أخرى يمكن أن نتفق أيضًا على أن الندم على الأخطاء أمر جيد ويدفع للتحسن، أما الندم على غيرها فهو ما يجب تجنبه، وهنا الإسلام يعلمنا أنه (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ *  لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) والنبي صلى الله عليه وسلم يوجهنا أنه “إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان”.

ولا يفوتني أن أقول بأن بعض المعلمين الدينيين والوعاظ قد رسخوا ارتباط التدين بالشعور بالذنب والعار بشكل يدفع للإحباط ولكره العبادة والسعي للتخلص من العبادات كسبيل للسعادة والتخفف بل – وهذا العجيب – كوسيلة للترقي الروحي والتقرب إلى الله!

جذور الاختلاف

هذه التباينات ليست سوى أعراض، أما لب الموضوع يكمن في الأطر الفلسفية والفكرية التي نشأ فيها كل من علم النفس وتزكية النفس. كل الأمثلة التي سبقت توصلنا لأول فرق مفصلي بين علم النفس وإخوانه من ناحية وتزكية النفس من ناحية وهو التمحور حول الذات. علم النفس يركز على علاقتك بنفسك ومشاعرك وأفكارك، الإسلام يركز على علاقتك بالله بالإضافة لعلاقتك بنفسك وبالخلق. وليس علم النفس الأكاديمي فقط بل والتوجه العام في المجالات الرديفة أيضًا، تجدها دومًا تتحدث عن “النفس” و”الذات” فقط، لا وجود لله في المعادلة. في الإسلام أنت لست وحدك في الدنيا حتى حين تكون وحيدًا، وليس كيانك محصورًا في الحياة بل حياتك هنا مؤقتة قصيرة وحياتك الآخرة أبدية لا نهائية. أزعم أنها كلما ترسخت هذه المعاني بشكل صحيح في القلب كلما كانت الحالة النفسية للإنسان راسخة وصحية.

في الإطار المتمحور حول الذات كيف نزرع أفكار مثل الإيثار والتضحية والصوم والزهد؟ في الإسلام توجد مفاهيم العناية بالنفس لكن منطلقاتها مختلفة وأهدافها مختلفة، فالعناية بالنفس والترفيه عنها هو بنفسه عبادة إذا تم بنية صحيحة وشكل صحيح. العناية بالذات وسيلة تحقق لك أهدافًا، وليست هي هدفك النهائي وربما حديث “استعينوا بقائلة النهار على قيام الليل” يكشف الكثير عن روح العناية بالذات في الإسلام.

(وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ). “ولنفسك عليك حقاً”، “ولكن يا حنظلة ساعة وساعة”، “عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا”، إنَّ هذا الدِّين مَتينٌ، فأوغِل فيه برفقٍ، ولا تُبغِّض إلى نفسِك عِبادة الله؛ فإن المُنبَتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى”، “إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول، فليضطجع”، “وفي بضع أحدكم صدقة”، “فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا”، “لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة”، “لا ينبغي للمؤمنِ أن يُذِلَّ نفسَه, قالوا : وكيف يُذِلُّ نفسَه ؟ قال: يتعرضُ من البلاءِ لما لا يُطِيق”،” إنَّ اللهَ يحبُّ أنْ تؤتَى رُخصُهُ كما يحبُّ أنْ تؤتَى عزائمُهُ”، “لَا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا”.

كما أن الكثير من العناية بالنفس في الإسلام قائم على إنشاء مجتمع تراحمي لا على عناية كل فرد بنفسه وكفى، فالإسلام يؤسس لروابط وشبكات اجتماعية من قرابة ورحم وجيرة وأخوة الدين وإكرام الضيف والوصية الخاصة بالموالي والنساء والأطفال والكبار والفقراء والأيتام وترسيخ مبادئ مثل نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف وستر المذنب، بالإضافة للحث على العمل المؤسسي الوقفي المستقل. والكلام في ذلك يطول وهو خارج مبحثنا، ويكفي أن نضع حديثًا واحدًا هنا: “أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ ، تَكشِفُ عنه كُربةً ، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن اعتكِفَ في هذا المسجدِ يعني مسجدَ المدينةِ شهرًا”

ولنسترسل في الحديث عن الندم. في الإسلام هناك ندم على الذنب، لكن كيانك مرتبط بما هو أبعد من الحياة الدنيا وأكبر، أنت مرتبط بالغفور الغفار التواب، المسألة ليست فقط “النفس”، المسألة فيها طرف آخر متعالي ومتجاوز وذو فضل وكرم فوق الوصف، أنت مذنب لكن الدين يخبرك من البداية بأن كل بني آدم خطاء وأن خير الخطائين التوابون، أنت مذنب وذنبك عظيم لكن الله أعظم والرجاء فيه كبير وباب التوبة مفتوح وطلب المغفرة يمحو الذنوب وصدقة السر تطفئ غضب الرب والحسنات يذهبن السيئات وربك يغفر الذنوب جميعًا إلا أن يشرك به، يقبل التوبة الصادقة حتى ممن قتل مائة نفس، و”لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استَغْفَرْتَنِي غفرت لك ولا أبالي” ولو كنت من أهل الكبائر فقد خصك النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه “شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي” بل حتى لو بالغت في الكبائر إلى أن صرت من المسرفين على أنفسهم فإن الله يخاطبك بأمر مباشر بأن “يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ”. يقول ابن عطاء الله السكندري “لا يَعْظُمِ الذَنْبُ عِنْدَكَ عَظَمَةً تَصُدُّكَ عَنْ حُسْنِ الظَّنِّ باللهِ تَعالى، فإنَّ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ اسْتَصْغَرَ في جَنْبِ كَرَمِهِ ذَنْبَهُ”. أنت مذنب نعم، لكن الأمل لا ينقطع في الله وإن شعرت أنه انقطع فيك! الفرق هنا أن الحديث لا يدور حول “النفس” التي ارتكبت الخطأ فقط وكيف تتعامل نفسيًا معه بل عن النفس وخالقها الذي يغفر، و”لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم”، والرحمن الرحيم الذي هو “أرحمُ بعبادِه من المرأةِ بولدِها”.

أحد الأحاديث النبوية التي تشير لهذا المعنى يقول إن صحابيًا جاء إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يكرر: “واذُنُوبَاه!” مسستعظمًا ذنبه، فقال له صلى الله عليه وسلم “قل: اللهم مَغْفِرَتِكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِي وَرَحْمَتَكَ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلي” ثلاثًا، فقالها الرجل، فقال صلى الله عليه وسلم “قُمْ فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لك”. لقد أخرجه من شهود عظم المعصية إلى شهود عظمة مغفرة الله، وأخرجه من الاعتماد على عمله إلى الاعتماد على رحمة الله. ولعل هذا المعنى هو ما قصده ابن عطاء الله السكندري في الحكمة الأولى من حكمه “من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل”، وكأنه يقول – والله أعلم – أن رجاؤك في الله سببه أنك عرفت من هو الله وعرفت كرمه وسعته ولطفه ووده وأنه أهل للرجاء، ليس سببه أنت وعملك! ومن تكون أنت وعملك في جنب الله؟ وإذا كان لا أحد يدخل الجنة بعمله – حتى خير البشر صلى الله عليه وسلم – بل برحمة الله أوليس هذا يخرجنا من التوكل على العمل وبالتالي يوفر لنا تهذيبًا ربانيًا في التعامل مع الأخطاء بشكل صحي يحقق المطلوب في الدنيا والآخرة؟ كل مفاهيم التوكل على الله وحسن الظن بالله وأن “التوبة تجب ما قبلها” هي مفاهيم حية تتفاعل مع حيواتنا إذا استعملناها، وكلها تعود وترتبط بمفهوم العلم الحقيقي وهو العلم بالله وأن تسعى لتكون من العارفين بربك. لاحظ هذه المعاني في قول السكندري: “إذا فَتَحَ لَكَ وِجْهَةً مِنَ التَّعَرُّفِ فَلا تُبْالِ مَعَها إنْ قَلَّ عَمَلُكَ. فإِنّهُ ما فَتَحَها لَكَ إلا وَهُوَ يُريدُ أَنْ يَتَعَرَّفَ إِليْكَ؛ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ التَّعَرُّفَ هُوَ مُوْرِدُهُ عَلَيْكَ والأَعْمالَ أَنْتَ مُهديها إلَيهِ. وَأَينَ ما تُهْديهَ إلَيهَ مِمَّا هُوُ مُوِرُدهُ عَلَيْكَ؟”

الفرق الجذري الثاني هو أن علم النفس نشأ في ظل الفلسفات والتوجهات والمجتمعات التي تميل للفردانية والتي ترى أن الفرد هو مرجع نفسه وهو الحكم وهو الهدف. الميل للفردية يعني ترسيخ نسبة كل شيء للنفس، فالإنجاز إنجازك والانتصار انتصارك والفضل فيها يعود لك، وهي مسألة لا تواءم مفهوم نسبة الأشياء لله، ولابد أن لهذا له آثارًا جمة.

بسبب نشأته الفردية يجد العلاج النفسي الغربي صعوبة في التعامل مع العملاء القادمين من مجتمعات غير فردية يشعر فيها كل فرد بالانتماء لأبعاد مختلفة عائلية/عشائرية/قبلية/إثنية أو غيره. ومن الأمثلة على المبالغة في الفردية ما نراه أحيانًا من نصائح مبسطة بشكل مخل على وسائل التواصل الاجتماعي بأن تعتزل كل من يزعجك أو يكرهك كي تحافظ على سلامتك النفسية، لكن ماذا لو كان من يزعجني هم الوالدان أو الأبناء أو الزوجة أو الأقارب؟ “صِل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك”، وكما قال أحد الصحابة “لِي قَرابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُوني، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِم وَيُسِيئُونَ إِليَّ، وأَحْلُمُ عنهُمْ وَيَجْهَلُونَ علَيَّ”.

بعض – وليس كل – مدارس وتوجهات علم النفس تعالج مشاكل الإنسان المعاصر لكن بشكل فردي ولا تسأل ما سبب انتشار هذه المشاكل ابتداءًا وبالتالي قد تصبح مجرد علاج عملي يساعدك على الاستمرار في عجلة الحياة نفسها، كيف تتأقلم مع الظروف الحديثة وتستمر في العمل والإنتاج ضمن شروطها نفسها مهما كانت. في بدايات نشوء علم النفس الحديث كان التصور أن هناك طريقتين لتخفيف الألم البشري: الأولى في تغيير أسبابه والثانية في تغيير طريقة احساسنا به. الطريقة التي استقرت هي الطريقة الثانية وتم إهمال الأولى، “فأمامك خياران في حال أصبح ما تحمله من أثقال يسبب آلامًا مبرحة: إما أن تقلل حجم ما تحمله من وزن، وإما أن تولي اهتماما أقل بالألم. وفي بدايات القرن الحادي والعشرين، يوجد رهط متزايد من الخبراء في التدريب على سهولة ومرونة التكيف، والاستغراق العقلي والعلاج المعرفي السلوكي ممن ينصحون باختيار الاستراتيجية الأخيرة” كما يقول بروفيسور الاقتصاد السياسي وليم ديفيز في كتابه “صناعة السعادة، ويضيف أنه “تكمن الخطورة في أن هذا العلم تنتهي به الحال بتحميل الأفراد مسؤولية شقائهم وعلاج هذا الشقاء في حين يتجاهل السياق الذي أدى إلى ذلك … لذلك يعجز إلى حد كبير علم النفس الإيجابي الذي لا يكف عن ترتيل أن السعادة “خيار” شخصي عن توفير مخرج من النزعة الاستهلاكية والأنانية”.

ومن المحتمل أن هذا التوجه الفردي أسهم في بروز Psychological egoism (ربما يمكن ترجمته إلى علم النفس الأنوي) الذي يفترض أن كل دوافع البشر تعود في النهاية لأنانية فردية، وهو افتراض فلسفي أكثر من كونه حقيقة علمية، والعديد من الأبحاث ضمن علم النفس تشكك في مثل هذه النظرة المبسطة مع توافر عدة أدلة ضده.

لكن ما سر الميل نحو الفردية؟ كل العلوم الاجتماعية الحديثة لها ميل غربي واضح فهي نشأت في سياق ثقافي لا يمكنها الفكاك منه وستدور فيه دومًا بعمد وبدون عمد. هي قائمة على أطر فلسفية وعلى افتراضات مسبقة شاءت أم أبت، بل حتى الدراسات الإحصائية الكمية “المحايدة” و”الموضوعية” ترسخ التمحور حول الغرب. هذا كان مما تنبه له البروفيسور مالك بدري الذي غادر دنيانا هذا العام. تقول د.رانيا عوض مديرة مختبر ستانفورد للصحة العقلية الإسلامية وعلم النفس الإسلامي أن بدري “حذرنا من القبول غير المشروط للأطر العلمانية والمتمحورة حول أوروبا التي نشأ علم النفس الحديث داخلها… وضرب مثلًا بالحديث النبوي بأن لا نتبعهم إلى جحر الضب”. اليوم يعيش الكثير من الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين المسلمين حالة تبني كاملة للمناهج التي درسوها دون تمحيص، ومن غير المبالغة أن نقول بأن جلهم قد ذهب للدراسة قبل أن تؤسس لديه نظرة شاملة وصحيحة للإسلام وفلسفته الدينية والأخلاقية.

في دراسة مهمة نشرت عام 2010 تبين أن أغلبية الأبحاث في علم النفس تأتي من دول غربية، أي أن أغلب الباحثين وأغلب من تتم عليهم البحوث ينتموا لأقلية في العالم. يصل الأمر أحيانًا لأن يكون تقريبًا كل الذين تجرى عليهم الأبحاث المنشورة هم من دول غربية صناعية ثرية وديموقراطية، خصوصًا الولايات المتحدة “هذا يعني أن 96% من عينات علم النفس تأتي من دول تضم 12% فقط من سكان العالم”. فحين تخبرك مقالة أن الدراسات حول السعادة أو النجاح أو الذكاء تقول كذا وكذا فإنها تتحدث عن أبحاث تمت على مجتمع مختلف تمامًا عن مجتمعك. تتم مراكمة نتائج هذه الأبحاث للوصول لتعميمات “علمية” ونشرها غير أنها في الحقيقة بالكاد تصلح كتعميمات في الغرب نفسه لكون الكثير منها مجرد عينات طلابية جامعية.

وتزداد هذه الفردية مع الإصرار على تدريس علم النفس في شبه معزل عن علم الاجتماع والعلوم السياسية والتاريخ والأنثروبولوجيا وغيرها من المجالات القادرة على توسيع مدارك علم النفس للإحاطة ببعض السياقات الأشمل التي تجري فيها الظواهر النفسية.

الفرق الجذري الثالث هو في أن علم النفس وسائر المجالات الأكاديمية الحديثة قد نشأت كلها في سياق علماني. هذا يعني أن المجال يرفض تلقائيًا الحديث عن أي شيء متجاوز للعالم المادي بل ويسخر منه. لا يوجد في علم النفس حديث عن الإله والآخرة والقضاء والقدر لأنها مفاهيم غيبية و”العلم” يجب أن يكون “محايدًا” وبلا موقف من الدين، رغم أن تعمد تجنب الحديث عن هذه المواضيع هو موقف ديني بحد ذاته. الحديث عن الدين في علم النفس هو حديث المراقب الخارجي فقط الذي لا يتبنى أي شيء فقط يراقب ويرصد. في هذا الإطار كيف يمكننا أن نبرر إدخال مفاهيم جوهرية لنفسية المؤمن مثل التسليم والرضا والتوكل والعدل الإلهي.

السياق “العلمي” العلماني يميل لتحويل كل شيء إلى أرقام واحصائيات كمية “محايدة” والتقليل من المفاهيم التي لا يمكن قياسها كميًا. هذه معضلة في كل العلوم الاجتماعية الغربية ولها جذورها في الفلسفات المادية الحديثة، نراها في بدايات علم النفس مع غوستاف فخنر صاحب فكرة الفيزياء النفسية (Psycophysics) وبعد ذلك في أفكار فرويد وإصراره على مقارنة علم النفس بالعلوم الطبيعية كالرياضيات والفيزياء. في هذا الوعاء العلماني كيف يمكننا أن نعترف بالحياة الروحانية؟ كيف يمكننا التعامل مع بمفاهيم كالبركة والحسد والدعاء والاستخارة؟ بل حتى مفاهيم السعادة والحب والكره وغيرها، هل فعلًا الاستبيانات النفسية تقيسها بحق أم أنها مجرد محاولات لدمج مفاهيم نفسية أو روحية في إطار رياضياتي وعلاقات رقمية؟

ولأنها نشأت في سياق علماني فهي عرضة للمعضلة الرابعة وهي عدم وضوح المرجعية الأخلاقية. فالسؤال الذي تعود إليه الكثير من جدالات البشر هو: ما مرجعنا في تحديد الصواب من الخطأ؟

الإسلام يقدم لك مرجعية واضحة ثابتة ومرنة في نفس الوقت. علم النفس لا يوجد له مرجعية أخلاقية ثابتة ونشأ في بيئات رأسمالية تعظم الربح الشخصي وحق الفرد في السعي نحو “السعادة”، لذلك تجد نقاشات في علم النفسي الأكاديمي أو الشعبي حول فوائد الأنانية أو الطمع مثلًا، وتجد أن أمورًا محرمة في الدين مثل العلاقات الجنسية خارج الزواج وتناول الكحول وبعض أنواع المخدرات بشكل غير إدماني يصبح أمرًا مقبولًا وحتى منصوحًا به في بعض الحالات. ليس البديل هنا أن نجعل الطبيب النفسي يتحول لناصح ديني أو مفتي ديني لكن في جعله يفهم المسائل وتأصيلها قبل أن يتعرض لها ويواجهها فيتحول لناصح علماني أو مفتي علماني من حيث لا يشعر.

في ظل سيولة المرجعية الأخلاقية سيسهل تقييم مشاعر كالغضب والكره والصبر على المكاره كمشاعر سلبية يستحسن تجنبها أو تجاوزها، ومشاعر مثل السعادة والحب والرضا كمشاعر إيجابية يستحسن تحصيلها. هذا التقييم التسطيحي شائع في علم النفس الشعبي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

في الإسلام الأمر له تفصيل وتأصيل. فالغضب مثلًا سلبي بالعموم “لا تغضب” وقد فصل علماء تزكية النفس عنه وعن مقاومته، لكن في نفس الوقت الغضب لله إيجابي، والغضب كوسيلة تستعملها لتحقيق الحق هو أيضًا شيء إيجابي، و”كسر شدة الغضب من المهمات في الدين” كما يقول الإمام الغزالي، لكن “ولست أعني بكسره: إماطته، فإنه لا يزول أصله، ولا ينبغي أن يزول، بل إن زال وجب تحصيله، لأنه آلة القتال مع الكفار والمنع من المنكرات ويصل به إلى كثير من الخيرات، وهو ككلب الصائد، إنما رياضته في تأديبه حتى ينقاد للعقل والشرع فيهيج بإشارة العقل والشروع ويسكن بإشارتهما ولا يخالفهما كما ينقاد الكلب للصياد”.

والكره والحب كذلك لهما تفصيل وتوازن لأن “أفضلُ الأعمالِ الحبُّ في اللَّهِ والبغضُ في اللَّهِ” و”من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان” و”والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا” و”ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار” و”إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي”. الكره ليس سلبيًا بالضرورة، بل لولاه لما عرفنا حقيقة الحب.

فعلم النفس الحديث يسعى إلى مفهوم غامض هو “السعادة” وتجنب ما يكدرها، وهذا جيد لكنه لا يكفي، فعلم النفس هنا – على العكس من تزكية النفس – ليس له كبير اهتمام في تطهير القلب من الحسد والكبر والعجب والرياء وسخط القضاء، الأولوية أن تكون “سعيدًا” الآن، ولو كان باطنك مليئًا بهذه الأمراض. وهنا الفرق الجذري الأخير: ما الهدف؟ يميل هدف علم النفس لأن تكون سعيدًا وراضيًا عن نفسك وحياتك الآن ويقوم بذلك بدون مرجعية أخلاقية واضحة. تزكية النفس على الجهة الأخرى هي دليلك لسعادة الدارين وهدفها النهائي هو أن تزيل طبقات الغشاوة واحدة تلو الأخرى إلى أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهنا لابد من تغليب سعادة الآخرة على سعادة الدنيا، ولذلك الترقي الروحي يتطلب بعض الجوع في الصوم وبعض السهر في قيام الليل وبعض التضحية في الإيثار والإنفاق مما تحب، وفي الحقيقة كل حياة ذات هدف ومغزى ستتضمن نسبة من مخالفة أهواء النفس وتهذيبها، حتى لو كانت حياة نحو هدف مادي بحت أو هدف دنيء، وهذا ما قد لا يلاحظه من يفترض مسبقًا أن الحياة السعيدة هي حياة لا هدف فيها سوى ذاتك المباشرة وسعادتها الآنية. نعيش في عالم قد يمدحك لأنك تكرس كل وقتك للعمل وworkaholic تسهر على إتمام عملك وتنسى نفسك فيه، لكن الاستيقاظ لصلاة الفجر أمر مستغرب ويعطلك عن الانتاج.

والسعادة المطلوبة في الدنيا لا تقاس بالمعايير المادية فقط كالإنجاز الوظيفي وكمية الأموال أو عدد المتابعين أو كم كيلو نقص وزني، السعادة هنا لها معنى أعمق وأشمل، وهنا نأتي لمعضلة تعريف “السعادة”، وهل هي الهدف الأولى في الحياة الدنيا أم الرضا؟ أسئلة عميقة هي من لب الإشكاليات المعاصرة مع علم النفس والمجالات الرديفة له، لكنها معضلة كبيرة وخارج نطاق المقال الحالي. و(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً).

خاتمة

ما الحل؟ لا أعرف.

ليس من العيب أن ننتقد العصر الحديث ومنتجاته حتى لو لم يكن لدينا البديل. الذي أعرفه أنه من المهم أن يستفيد المتخصصون في التزكية من إيجابيات علم النفس ويستفيد أطباء النفس المسلمين من أدبيات التزكية، ولو درسنا الإثنين مع فهم فلسفي وتاريخي متين فقد نكون على وشك إنشاء حقل معرفي جديد تستفيد منه البشرية جمعاء لتخرج من غفلات الزمن المعاصر واغترابه وشتاته واكتئابه واستمرارية القلق فيه. لا أعرف إلى أي درجة أصبت أو أخطأت فيما كتبت لكن الذي أعرفه أن هذا النقاش ضروري ويجب أن يتوسع ليشمل مجالات عدة ولفهم العلمانية والحداثة بأوجهها الشاملة وكيف تتدخل في أجسادنا ونفسياتنا ودراساتنا وأعمالنا وسائر أمورنا.

وسأنهي بمقطع قد يكون غير متوقع:

فلنذكر. نذكر من؟ نذكر الله.

الذكر عكس النسيان، هو تذكر يخرجنا من الغفلة ومن النسيان، “وهل في النسيان أشد من أن ينسى من لا ينساه ولا يغيب عنه أبداً، ومن هو أقرب إليه من نفسه، ومن يحول بينه وبين قلبه!” كما يقول الفيلسوف الإسلامي طه عبد الرحمن. (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا). كأننا حين ندخل في نسيان الله ندخل تلقائيًا في نسيان وفقدان أنفسنا، أو بكلمات عبد الوهاب المسيري: “نسيان الإنسان للإله أدى لنسيان الإنسان لذاته المركبة الربانية: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ)”.

والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق واحد

  1. الدانهsays:

    بارك الله فيكم ، كنت انا وأختي في نقاش مشابه لمقالك. بعد قراءة هذا المقال استطعت أن أفهم ما كانت تعنيه بلغتها البسيطة عن الدراسات التي لا تمثل مجتمعاتنا.

  2. اروىsays:

    بوركت يا احمد فعلاً تستوقفني يومياً هذه التناقضات مابين ديننا و ما أُمرنا به و بين ما يُروج له علماء النفس او اشباههم في هذا الزمن
    على سبيل المثال قبل ايام استوقفني احدهم يمتدح صعوبة نوم صديقة في اي مكان بسيط او عادي و ذلك لان استحقاقه عالي !وهذا الوصف (الاستحقاق) صار دارج بمعنى لا يرضى بالقليل او العادي وقتها تذكرت رسولنا عليه الصلاة والسلام كان ينام على الحصير و كيف كان الزهد و محاولة التقليق من الدنيا لانها وسيلة لا هدف !

  3. Fatmah hussainsays:

    مرحبا
    لماذا نذم المال و السياره و الجنس

    حب غير مشروط لمن! ليسللمجرمين الحب الغير مشروط مثلا لاهلنا لاطفالنا مثلا ولكن هذا الحب لا يعني ان نحب افعالهم الخاطئه لكن هو حب الروح للروح لان الروح أصيله و الفعال الخاطئة دخيله

    نحن مريد حب غير مشروط لكن نريد انجاز لأن حُب المُتع وراءه فراغ وسد هذا الفراغ بالانجاز والتشجيع عليه لماذا نحن لا ننجز لاننا لم نُحب حب غير مشروط فقدنا الثقه بانفسنا وخجلنا منها ومن انجازاتنا الصغيره و تواجدت ال social media و ازداد التفاخر فهذا ربما يسد هذا الفراغ بداخلنا

    علم النفس ربما يركز على الانانيه ربما لأنه لن يأتي مريض عندهُ أنا متعاظمه

  4. هاله ال رحمةsays:

    رائع رائع بكل معنى الكلمة اصبت وابدعت بارك الله فيك .. لعل الله يحدث بعد ذلك امرا .. يحتاج من عالم ان يتبنى هذه الافكار لانتاج مدرسة جديدة حديثة تجمع بين علم النفس وعلم التزكية ..

  5. شريهان حمزةsays:

    كفيت و وفيت ا. حمد حقيقي مقال عميق جدا و يحاكي الانسان المسلم الفطن، للأسف انتشرت هذه الاشياء بين الناس وباتوا يتفاخرون بها علميا وان علقت عليها كانك تكلمت في المحظور. اليوم بأقراء عن فلترة و برمجة العقل على ضوء قصة ابونا إبراهيم و كيف نستقبل المعلومات و كيف نقلتوها بما يتناسب مع ديننا و فطرتنا السليمة التي خلقنا عليها. فنحن بأيدينا من نفيرسها ونحن من نفلترها و نبرمجها. سلمت يداك ..

  6. اسراءsays:

    من أمتع و أجمل ما قرأت من مده! يجعلني أشعر أني لست وحيده في هذا العالم التي أشعر أن هناك خلل فيما يحدث الان بالايمانيات بمصطلحات علم النفس. طريقه السرد و الطرح و الاستدلال كانت مقنعه. بورك الكاتب

  7. عمار العباسيsays:

    مدخل جميل.. الله يعطيك العافية.
    والمسألة تتجاوز إطار التزكية كذلك، ليدخل فيها مفاهيم فلسفية مختلفة مع الفقه وأصوله.. الفرق بين “الخيار” الفردي الذي على الناس ألا تتدخل فيه مطلقا رغم شيوع التلصص على بعض، واعتبار التدخل إيذاء نفسي يقيد حرية خياراتنا، ومفهوم المباح وإنكار المنكر والستر وعدم التجسس والتطفل… إلخ.
    هذا المدخل جميل والموضوع بحاجة لكتاب كامل، مشكلتنا أن المهتمين بقضايا الفردانية والحداثة من الإسلاميين هم السلفيون الجدد الذين لا زالوا بعيدين عن علم التزكية.
    وأهل التزكية -على قلتهم- إما غير منخرطين في الاهتمام بهذا الموضوع المعاصر أو حتى تقبلوه في بعض الأحيان وصاروا بصورة سطحية يزاوجون بين قانون الجذب تبع أهل الطاقة وأحاديث الفأل.
    هنالك نقطة أخرى، التفرقة بين العلاج النفسي الدوائي، ومفاهيم الصحة النفسية الشائعة، وانتشار الأمراض النفسية، فهنالك هجوم كاسح تجده عندما تتحدث أن كثيرا من أمراض النفس سببها البعد عن الدين، فيقال لك أن المكتئب تنقصه هرمونات أو مادة كيميائية في المخ …. إلخ، وأننا يجب ألا نجعل المرض عارا.
    إعادة الصلة بين غياب التدين وحضور المرض النفسي بصفته العامة المنتشرة لا المتعلقة بفرد بعينه أمر مهم جدا تأصيله وبحثه.

  8. سنا واصفsays:

    مقال يجب أن يعرض على جميع طلاب علم النفس من المسلمين
    الأحرى أن نبني من جديد على لبنات صحيحة وهذا من شأنه أن يتطلب مجهود أكبر وهممًا أعلى وغيرة على العقيدة
    ونحن بحاجة إلى هذا الحراك الفكري حتى وإن بدا غير شافي في البداية إلا أنه يبرزنا كأمة تعتز بمعتقداتها ولا ترميها جانبًا بينما تسمح -لمن تعلم في قرارة نفسها أنه مانفع نفسه ولا نجاها من شقاء الآخرة فكيف ينجيها من شقاء الدنيا !! – تسمح له بأن يحدد مسارها ومصيرها وفق معتقداته..
    والسؤال الذي يطرح نفسه إلى أي مدى تصلح دراساتهم مالمقياس الذي يقيس فيه المختص المسلم وأين اعتماده وثقله؟ دون نسيان أن هذه العلوم لا تنفك عن التنظير والفلسفة فهي ليست موضوعية بحتة فبعد التأمل نجد الكثير من المدارس التي نشأت على التأمل المنبثق من معتقدات خاصة! يتم الاستفادة منها والاستلهام منها
    هذا من شأنه أن يستفزنا لإنتاجات اسلامية منهجية علمية أكثر

  9. مريم عبدالرحمنsays:

    المقال اكثر من رائع ، بالفعل الكثير من مفاهيم علم النفس المعاصر عندما اقوم بتطبيقها اجد ان هنالك امر ما خاطئ وناقص فيها ، شكرا على هذا الطرح المفيد والمهم

  10. أميرة الحدادsays:

    حبيت جداً المقال فيها عدة نقاط تستدعي نقاشات مطولة .. وقد يكون هناك حاجة ملحة لهذا النوع من المقالات لإعادة التوازن وتهذيب الاندفاع المبتذل خلف العلوم الجديدة .. وإن كان ظهورها بسبب ضمور بعض المفاهيم وأدوات تزكية النفس الحقيقية فغطت فجوة ونشطت أدوات بديلة وماهي إلا تقنيات لا يتجاوز تأثيرها على الفرد أكثر من ٣٠٪؜ وكثير من الجهد حتى تصل إلى ٥٠٪؜
    إلا أنها أصبحت هوس لدرجة احلالها محل الأدوات الحقيقية واستبدلت العبارات القديمة بأخرى أكثر تحضرا في نظر البعض وتتماشى مع العصر الحديث ..
    وقد تكون تيار كان المجتمع بحاجتها لتروي عطشها في تفسير وحل تلك التعقيدات التي يواجهها الفرد ولم يحسن التعامل معها بحكمة
    لكن لا يمنع أن نستفيد كونها أدوات جديدة استطاع البعض أن يعيها أكثر من الأدوات المتاحة سابقا .. ما نحتاج هو تخفيف الغلو وتقريب الفجوة بين الأدوات الحقيقية والتقنيات الحديثة ليتم استيعاب الفرق بين الأصل والزيف وتخفيف جرف التيار..
    فقد شهدنا في تاريخ الفلاسفة كيف كان هناك من يجد مساراً خارج السرب كلما توغل السرب في تيار ما ليعيد التوازن مررة
    لذا فقد تكون وجهة نظري أن ما قد انتشر من هذه التقنيات والفلسفات ماهو إلا مسار جديد جاء في ظل رغبة شديدة في تنشيط مفاهيم ومعاني هي موجودة أصلا.. وقد يكون من الحكمة تقبلها ثم تصحيح مسارها وتقليص الفجوة بين المسارات.
    وعلى الرغم من ولائنا للأصول فقد كانت غريبة نوعا ما إلى البعض ولم تصل إليهم بالشكل الصحيح فلم تحظى بولائهم وبالتالي كان استبدالها بالجديدة ليس بالامر الصعب..
    ما نحتاجه الان المزيد من النقاشات ومواجهة الحقائق ليس بالحرب بل بالحكمة التي ترفع من وعي الفرد وعدم تحويل عقله إلى وعاء يتم ملؤه بأفكار عقول أخرى دون أن يعطيه فرصة لأن يفلتر ما يتم إدخاله في عقله.

  11. سلمىsays:

    “بين علوم النفس و تزكية النفس” ، مقال عميق ويحاكي واقعنا الذي باتت فيه الفلسفات المخالفة لعقيدتنا منتشرة واصبح الجميع يتكلم بلغة جديدة مصلحتها لا تناسب رقي ديننا وتهذيبه للنفس مصطلحات متناقضة وتجعل الانسان متخبط ومتذبذب في حياته …

    اتمنى من كل اللي بيقرا صح مره طويل بس بيوصف حالة التخبط المنتشرة واللي جالسين نعيشها واصبح اللي ما يفهم في الكلام ذا والمصطلحات الجديدة ذي غبي و جاهل و مو مواكب العصر وعلومه …
    والمقال ذا ممكن يوسع مداركنا ويعطينا مجال لمناقشة من يسير وراء المصطلحات الجديدة ويعطينا اجابات ممكن نناظرهم فيها بحجة قوية قول والله و رسوله ومابعد قولهم قول …

  12. غفران شيخsays:

    ماشالله تبارك الله…كفيت ووفيت …والله ياريت تزيدنا لانه هذا الامر حيرني في السنوات الاخيرة…وجعلني اشعر بالتوهان بين الامرين من كثرة المتحدثين فيه

  13. فوزية صالحsays:

    شكر أ. أحمد وسدد الله قلمك
    حديثك الطويل جدا ذكرني بمفارقات عديدة ذكرها المسيري:
    – في العلاقات الإنسانية بين التراحمية والتعاقدية حيث تقوم العلاقات في الحضارة الغربية على المنفعة المحضة، ومن لا ينفعني ينبغي التخلص منه حتى لو كان ابنا أو أبا.
    – في حديثه عن الفردانية المغرقة والتمركز حول الذات للحصول على السعادة. وإغفال الجانب الروحاني المتصل بقوة عليا.
    – في الحديث عن الحياة السائلة والدوران حول المنفعة حيثما حلّت والإغراق في الحياة الاستهلاكية. والتجدد السريع.

    كما أن حديثك عن ضرورة أن يستفيد المسلم من علم النفس الحديث ينبغي أن تكون استفادة فيها نوع من الغربلة لما يحمله هذا العلم من مفاهيم غربية تقوم في أسسها على المادية والفردية والمتعة واللذة.
    كلامك عن ( الحرية) وحقيقتها أكثر من رائع. وكيف أنها تكمن في ضبط النفس والتحرر من أغلال الشهوات وليس بالمفهوم الغربي بالانفلات والتحرر القيم.

    أعتذر عن تعليقي الطويل فمقالك طويل وحبذا لو لو قسم إلى مقالين أو ثلاثة. وفقك الله وسدد خطاك.

  14. خالد أبو سليمانsays:

    أحب أن أنوه أني قرأت مقالة سحرتني عمقها الفكري وسلبتني تسلسلها المعرفي من أستاذ بارع وصاحب رؤية وقلم سيال في مجال ربط الأمور ببعضها ، والوقوف على المفاهيم وربطها بأسسها الدينية الإسلامية ..

    شكرا لك أستاذي القدير أحمد صبري .. على هذه المقالة التي جلست قرابة الساعة أقرأ فيها وأعيد بعض السطور واستخراج بعض النقاط المهمة وقيدها في دفتر ملاحظاتي .

    وأهم ما لفت نظري فيها :

    ١ – علو ظاهرة العطش الروحي في ظل تصاعد التقدم المادي الاستهلاكي لدى الغرب ، ومحاولة الفرد الغربي الهروب إلى (روحانية بلا تدين) كنوع من إرواء العطش الروحي المجهول .

    ٢ – تقبل مفاهيم مبتكرة ملموسة تدعو لعبادة الذات بدلا من مفاهيم دينية تشاركية تراحمية .

    ٣ – تعارض مفهوم (السلام مع النفس) و (مجاهدة النفس)

    ٤ – الإشارة إلى فكرة الندم السلبي والإيجابي والربط بينهما بمفهوم الخوف والرجاء في الإسلام .

    ٥ – فكرة تزكية النفس وكبح الهوى بمفهومه لدينا في (التصوف) ومفهومه في علم النفس الغربي الحديث .

    وأظن أننا بحاجة ماسة لمثل هذا الطرح العميق في واقعنا والوقوف على أسباب القلق والعدمية التي ظلت تسيطر على الإنسان المادي الحديث ، والنقاش حوله على أرضية إسلامية واضحة .. حتى نحقق هدف الرسالة المحمدية المتمثلة في بناء الإنسان وعمارة الكون !

  15. نورةsays:

    كثيراً ما كنت أبحث عن مقال يتكلم عن هذا الموضوع لأنه حقاً أصبحنا في زمن تشجع على الفردية ونست بأن الانسان بطبيعته إجتماعي ولكن بنسب بالإضافة إلى أن الدين الأسلامي لا ينافي السعادة ولا تطوير النفس ومساعدتها ولكن نحتاج فهمه .

  16. نورةsays:

    مقال رائع وعميق.. جزاك الله خيرا على جهودك.
    ذكرني هذا المقال بأطروحات الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي في يوتيوب، وكان من أوائل من طرح مصطلح (فقه النفس).

  17. نجودsays:

    مُبهرة جدًا بهذه المقالة .. لطالما استوقفتني تساؤلات حول ماهية الحرية والسبب وراء فقد الناس لأنفسهم ، المقالة مناسبة في الوقت المناسب .. في الزمن الذي كادت تبرز فيه عدة مصطلحات تنافي إيماننا بالله وأنه المسخّر والمدبّر
    شكرًا لك أ. أحمد لمحاولتك لإستنارة العقول والبصيرة وفتح أفق ومدارك عميقة .. ممتنّة جدًا

  18. عبيرsays:

    مقال مهم جدا ، وضع النقاط على الحروف .. من الرائع ان يكون المؤمن كيس فطن يعي مايصل إليه و يرسمه في خطوط دينه و مايفرضه عليه

  19. رناsays:

    جميل جدا بارك الله فيك تحدثت عن أمور كانت تشغل بالي كثيرا و كأن مقالك رسالة لي لتاكيد ما يجول بخاطري .

Join our mailing list

Be the first to know about our new products and promotions and enjoy the enriching weekly newsletters.