>

ماذا يُعلمنا هيلبيلي عن نجاتنا؟

post Image>

تصوير قصص الحياة اليومية التي تدور داخل منزل شخص عادي وغير استثنائي أصبح فن وحِرفة لها قوانينها وأبطالها ومشاهيرها ربما لأننا في عصر استثنائي وضخم وسريع نحتاج إلى من يُذكرنا بمعاركنا الصغيرة العادية التي تأكل معظم وقتنا لكن لا نجد لها مكانًا في قائمة المواضيع التي تستحق النقاش والجديرة بالذكر في اجتماعات الأصدقاء وجلسات نقاشاتنا العميقة.

هذا السبب الذي يجعل فيلم كــ Fences  فينسس ببطولة دينزل واشنطن وفيلم كـ August Osage County  أوغست أوساج كاونتي ببطولة ميريل ستريب تصبح جديرة بترشيحات الأوسكار وغيرها من الجوائز المرموقة.  وقبل الجوائز وعلى صعيد أكثر أهمية هذا السبب الذي يجعل هذه القصص جديرة بوقت وجهد ممثلين من الدرجة الأولى، ربما لأنها تحتاج إلى قُدرات تمثيل استثنائية وغير عادية فمهمة الممثل تتحول من جعل الجمهور يُصدّق واقعية الشخصية، إلى جعل الجمهور يؤمن باستحقاق الشخصية للاحترام وبجدارتها للالتفات لها. وأيضًا ربما لأن مُهمة طاقم الفيلم أجمع أمام وخلف الشاشة تتحول من فتح باب خلفي ونافذة تُمكن الجمهور من الهروب من واقعهم إلى فتح نافذة إلى دواخلهم تُكثف وجودهم وتجبرهم على مواجهة الآلام التي دفعت بهم لصالات السينما للهرب منها بداية. كيف يُمكن أن يخوض مُخرج مغامرة خطرة من هذا النوع؟

نُقّاد الفيلم الذي أود عرضه اليوم يُعللّون دافعية المُخرج رون هوارد لأخذ مُخاطرة فنية من هذا النوع، هو أن هذا النوع من الأفلام – كما أشرت مُسبقًا- أصبح تذكرة شبه مضمونة لجوائز مُهمة في صناعة الأفلام. فيلم هيلبيلي ايلجي/ Hillbilly Elegy (مرثية هيلبيلي) أو مرثية الرجل البسيط بالمُختصر يحكي قصة عائلة معطوبة بكل المقاييس المُتعارف عليها في المُجتمع الغربي أو في أي مجتمع آخر تسكن في مدينة صغيرة وريفية في ولاية أوهايو.

 الفيلم يُصوّر تراجيديا عائلية قامت الحياة الحديثة بتطبيعها بشكل مُجحف فنجد أنفسنا كمُشاهدين لسنا مُتفاجئين بالقصة وإنما على العكس فأننا نعترف سرًا بأننا نمضي في الحياة مُستمعين لقصص مُشابهة دون أن يرّف لنا جفن أو نتوقف عن إكمال وجبة غداء. لكن عندما تتحول هذه القصص إلى أعمال فنية فإنها تُحركّنا، وتصدمنا، وتؤثر فينا، وتجعلنا في مواجهة مع جراحنا الخاصة، وتُعيد للمواقف أحجامها الحقيقية التي بعثرتها وغيّرتها وشوهتها الحياة الافتراضية. هذا النوع من الأعمال الفنية يُعدّ مقاومة ومحاولة لاستعادة حقنا المُغتصب في حياة عادية وفي انتصارات لا قيمة لها في الاقتصاد العالمي. والأهم فإن هذا النوع من الأعمال الفنية يكشف لنا عن أسرار طبيعتنا البشرية التي يُمكن – مع قليل من التمعن والتأمل- أن تُصيبنا بدهشةٍ منقطعة النظير.

فيلم هيلبلي ايلجي يجعلنا نتساءل عن العُنصر الذي يجعل بعضنا ينجو من طفولة تعيسة كبطل الفيلم، والبعض الآخر تحكم طفولته عليه بالدمار المُؤبد؟ هذا الفيلم يجعلنا نُفتش عن الوصفة السرية للنجاة، لتخطي الظروف الصعبة، للعيش رغمًا عن أنف القسوة. يضع المُرونة النفسية أو ال (Resiliency )  تحت المجهر. يحكي الفيلم – وهو مبني على سيرة ذاتية حقيقية ومكتوبة ل جِي دي فنس JD Vance  – قصة نجاته من طفولته المليئة بالعنف، ونجاحه في الدخول إلى جامعة يال المرموقة ويتخرج من قسم القانون فيها وهو القسم الذي أخرج الكثير من السياسيين المرموقين كهيلاري كلينتون وأخرون. كيف تمكن فنس من أن يكبر دون أن يتحول إلى مُدمن فاشل عنيف وبلا وظيفة كأمه؟ ما الذي حافظ على اكتافه الصغيرة وظهره الضعيف من الانكسار بفعل العُنف والقسوة التي عاشها مع والدته المُدمنة التي حاولت في مرات عدة أن تُسبب في مقتله؟

علميًا يُطلق على قُدرة الفرد على تخطي المصاعب، وعلى النُهوض بعد أن يهوي في القاع بسبب أي ظرف بــ (المرونة/الصلابة النفسية) أو بالإنجليزية (Resiliency ).البحث العلمي في هذا المجال مُثير للاهتمام ومُحيّر فالعلماء كانوا ومازالوا يُحاولون للوصول إلى العُنصر الذي يجعل بعض البشر قادرين على النجاة والتسامي على أسوأ الظروف التي من الممكن أن يمر بها، والبعض الآخر لا يُمكنه النجاة. الدافع الأكبر خلف هذه الدراسات هو الوصول إلى نموذج يُمكن توفيره للأطفال الذين يمرون بظروف صعبة. 

هُناك بعض التقدم في هذه الدراسات من أهمهما ما قام بنشره مركز نمو الطفل التابع لجامعة هارفرد (Center on The Developing Child) عن علم المرونة النفسية بأن المرونة النفسية تحتاج إلى علاقة واحدة داعمة وفُرص لبناء المهارات اللازمة للنجاة. فالدراسات التي قاموا بنشر مُختصر عنها تنص على أنه مهما كان مصدر القسوة والمعاناة، فإن العُنصر الوحيد المُنتشر عند الأطفال الذي انتهى بهم الحال إلى حياة طيبة وجيدة بعد طفولة مليئة بالمعاناة هي وجود علاقة واحدة على الأقل مع شخص راشد، مهتم، ومستقر، ولديه التزام نحو الطفل.

وفي رأيي هذا ما عكسته قصة جي دي فينس، فوجود جدته أو ماموا (Mamwa) كما كان يُسميها كان مفصليًا وجوهريًا في قصة نجاته. ووجود اخته لينزي التي كانت تُدافع عنه وتُحاول حمايته من والدته أيضًا كان له نفس الأثر العميق ففي مُقابلة لجي دي فينس يقول بأن طفولته كلها تتلخص في: ” لحظات عصيبة قصيرة من الرُعب والوحدة، ثم وجود أخته الآمن”

وهنا تكمن عظمة هذه القصة المُتكررة، العادية، التي تتحدث عن عائلة ريفية في منطقة غير مشهورة بالولايات المُتحدة الأمريكية، فهي تكشف لنا عن سر نجاتنا، وتذكرنا بالأشخاص الذين أحبونا بعُمق فنجونا من أسوأ ما نمرّ به، والكبار الذين كان/ ومازال حُبهم ملاذ آمن، والعلاقات التي كلما نستند عليها نشعر فيها بدفء الأوطان. تحكي عن الحُب الذي ينتصر على المُعاناة.

شاركونا قصص الذين كانوا لكم كما كانت ماموا لجي دي فينس؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا توجد تعليقات

Join our mailing list

Be the first to know about our new products and promotions and enjoy the enriching weekly newsletters.