رسالة الطوفان

post Image>

أتى الطوفان في صور شتى، أتت بوادره وحلقت غيومه مثقلة بالهول الذي تحمل، وقد أبصروها متجهة إليهم ولكنهم قالوا (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا). في زمن الطوفان عليك الاعتصام بالحبل الوثيق، حبل الله وعروته الوثقى، إنه الطوفان ولا عاصم اليوم من أمر الله. في زمن الطوفان احترز وناور بكل الطرق الممكنة كي لا تغرق، كي لا تتلوث، كي لا تتنجس، كي لا تتنازل عن المبادئ، وحافظ على الأمل، (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ).

على المدى المنظور، هذه حياتك القادمة. فيها غربة بلا شك وأنت ترى الرفاق يتساقطون أمام الأثقال المنهمرة والإغراءات المنتشرة، أنت وحدك حين تكون وحيدًا، أنت وحدك أكثر حين تكون مع الناس، أنت المتمسك بالحياة الأخلاقية وصلابة قيمها في زمن السيولة العارمة والسيول الغامرة، في زمن كل القيم معروضة فيها للبيع. إنه الطوفان، والطوفان جارف، فتجهز، واستعد، واصنع الفلك.

سيتحدثون كثيرًا، ويثرثرون كثيرًا، ويخوضون في كل مرتع ويذكرون كل إشاعة، ويشككون في كل ثابت، (لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ)، عبث تلو عبث وكلام فارغ تلو كلام فارغ، والكثير من الهوى وتعظيم الدنيا والزُهو بالذات، (وهَوًى مُتَّبَعًا، ودُنْيا مُؤْثَرَةً، وإعجابَ كلِّ ذِي رأيٍ برأيِه)، والكثير من الجدل الممزوج بالأهواء والشهوات و(ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليهِ إلَّا أوتوا الجدَلَ)، فإذا دخلت مجلسهم فلا تُخفض دروعك، كن ذاكرًا لربك وسط الغفلة، كن مختليًا بنفسك وسط الزحمة، وإلى السوق لا تلج، عالمنا اليوم يساومك على أن تبيع نفسك كل لحظة فكن ضنينًا رغم العالمين، ولا تبالي.

وفي كل مكان إعلان. إعلانات منذ أن تصحو إلى أن تغفو، كلهم يحاول أن يبيعك شيئًا ما، يتلاعبون بمشاعر الناس وغرائزهم: شاهد قبل الحذف، فضيحة للفنانة الفلانية، خمس مهارات ستجعلك غنيًا، الفيديو الذي أبكى الملايين… وليت أن الإعلان عن المنتجات هو مجرد إخبار لك بنوع المنتج وخصائصه فقط، ذاك زمن مضى! الآن يربط المنتج بهويتك وشخصيتك وطموحاتك ومستقبلك: اتصل بجانبك الطبيعي من خلال هذا الشامبو، حقق ذاتك مع ملابسنا، عش طموحك مع أحذيتنا، تحدى المستحيل مع شراريبنا، عبر عن ذاتك مع مشروباتنا، اجعل منتجنا هذا يتحدث عن تفردك وتميزك واختلافك رغم أننا صنعنا منه 10 ملايين نسخة متطابقة.

وستدوس القدم الكبيرة على كل النباتات فتنحني جميعها تحت وطأة القدم، إلا أنت، عودك يجتهد في البحث عن فرجة ما كي يظل واقفًا، يتحايل على كل الظروف كي لا يركع، يضحي بكل مكسب موعود كي يحافظ على وقوفه، فردًا وسط جموع الانسحاق، فذًا وسط حقول الإنحناء، فخورًا ويراودوك عن نفسك كي تخجل من فخرك وكي تكره أعز ما تملك، اختلافك يجرحهم، اختلافك يقتلهم، اختلافك يذكرهم، لذا يريدون أن يسلبوا تفردك ويجُرّوك للجموع المتشابهة وعباراتهم المكررة وصورهم المنمطة وابتساماتهم المفتعلة وبهرج دنياهم، لكنهم فشلوا في جرك للتيار فأنت تعلم أنه لا يسبح مع التيار إلا السمك الميت. 

بعد قليل، سيعرضون عليك فرصة ذهبية لكنها مشروطة بأن تتنازل، وهو شرط لا ينفصل عن العرض، فلا يخدعنك كلامهم ولا تغرينك وعودهم واعلم أنها دنيا زائلة وأنها أدنى من جناح بعوضة، فإذا اشترطوا لنجاحك أن يكون مشوبًا بالتخلي عن المبدأ فعليك يا أخي بالفشل، هلُم إلى الفشل، وكن مجرد شخص مجهول يسير على هامش الحياة ويجول في قارعة الطريق محتفظًا بكرامته واستقلاله الأخلاقي وحرية ضميره، ولتكن هذه حياتك، وما أجملها من حياة! ولا تكن ضمن “الناجحين” المتصدرين المهرجين القافزين اللاهثين المُضلين لأنفسهم ولغيرهم في كل مكان، المساهمين في الترويج لكل بضاعة بخسة ولكل منتج مغشوش، المسارعين إلى فجاج كل فتنة. (فمن أدرَكَ ذلِكَ الزَّمانَ فليختَرِ العجزَ على الفُجورِ).

سيبحثون عن الشهرة ومغرياتها، ويبحثون عن الأموال والممتلكات والرحلات الفارهات، وسيعثرون عليها، ولن يبخسوا فيها (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ)، غض بصرك عنهم واحم قلبك واعتصم، وانتظر يوم الفصل، مكسبك هناك، آه (إذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا)! دع دنياهم، (وَدَعْ أَذَاهُمْ)، فإنهم (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً)، وكلما رأيت لهوهم ذرهم يخوضوا ويلعبوا. سيسخرون منك فلا تكترث، ومهما كنت وحيدًا فلا تعتذر عن دينك ولا تخجل من مبادئك ولا تيأس من روح الله، سيحاولون مساومتك ويحاولون أن يشتروك، سيقولون لك أنت خليق بالقيادة فقل لهم ما أوهم من يظن أنه يقود مركبًا في خضم طوفان! 

سيقولون لك أن مقاومتك لا تجدي، قل لنفسك لكنها اختياري، سيقولون لك لن تنقذ العالم، قل لنفسك أنا مهمتي أن أنقذ نفسي، سيقولون لك ها نحن نأكل ونشرب ونتمتع، وإن شاء الله غدًا أفضل، فاتل في سرك أن (ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).

هل سينجو منهم أحد؟ دعها أمنية راسخة في قلبك لهم وارفق بهم ولا تتكبر في قلبك عليهم، وفي نفس الوقت تذكر (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ). تمنى لهم الهداية وارع هذه الأمنية واسقها من ماء قلبك ودعواتك، لكن تذكر أنه (لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ)، فاستمر في طلب الهداية لكل أحد لكن إذا جاءت اللحظة وحال بينكما الموج (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ). تمنى لهم الهداية وفي نفس الوقت تذكر أنك أنت لست بمعصوم من خطر الطوفان وأنه لا تؤمن الفتنة على حي، فتشبث واعتصم واصبر وتوجه إلى الله كي لا تزل قدمك بعد ثبوتها. هل نغفر لهم؟ اعف فقط عند تمام المقدرة، لا تعف قبلها قط. أما الذين غالوا في فحشهم وتمادوا في ظلمهم فلا تقبلهم ولا بعد ألف عام، وإن استأذنوك (فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ).

إنه الطوفان يا أخي، زمن للاحتراز وليس زمنًا لدفع الضر، فالطوفان سيل من الأضرار لا يمكن دفعه. إنه الطوفان، سترى ليلًا طويلًا، سترى الأقربين يبدلوا تبديلًا، ستراهم يرون أقبح القبح جميلًا، فلا تتبع أوهامهم بأنه يمكنك أن تحاور الطوفان فتقنعه كي يستحيل نسيمًا عليلًا. تخفف من حمولة الأحلام العريضة، عليك اليوم بنفسك ومن تعول، دعهم في لهوهم يضحكون ويلعبون ويتفاخرون يلتقطون تلك الصور السمجة، سيضحكوا ويضحكوا إلى أن تقع الواقعة، وابحث عن من بقي من أهل الصفاء ولازمهم، (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ)، وأكثر من مجالستهم فكل مجلس لكم مهما كان صغيرًا سيضيء نورًا ما في هذه العتمة ونحن نحتاج لتكثير دوائر النور. أما من لم يَر إلى الآن يا أخي فذلك لن يَر، ذاك رجل قرر طوعًا أن يغلق عينيه ويصم أذنيه، ذاك رجل قرر عامدًا ألا يرى الحقيقة. إنه زمن الطوفان، وحين تحين لحظة هجومه الكبرى سيكون عدد ذوي البصيرة قد اكتمل لا يزيد أبدًا (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ).

في زمن الطوفان سيصيبك العطش، وسترى نهرًا فاعلم (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ)، وحين ترد الماء ارتو بالحد الأدنى فقط ولا تتضلع فإنه لن يعذر أحد (إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) أما الآخرون فسيتغلغل الماء لأصلابهم فيوهنهم ويرخي قلوبهم ويصبحوا من العاجزين (قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ). استمر على صراطك المستقيم، صراط صعب لكنه مستقيم، وهو الوحيد الذي مشى عليه النبيون والصديقون والشهداء من قبلك، فاتبع آثارهم. إنها محجة بيضاء مهما تشوهت الصورة وتداخلت الألوان، ولا يزيغ عنها إلا هالك.

سيحاولون اقتلاعك فانغرس في أرضك يا فتى، كالشجرة التي (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)، سيأتون عليك بخيلهم ورجلهم، سيحاولون أن يدخلوك في أوعية من الأحماض التي تذيب كل مبدأ، وتجهز ليوم ترى فيه صديقًا سابقًا وقد صار مهرجًا من المهرجين، تجهز ليوم ترى فيه شابة تعرفها وقد صارت تبيع المنتجات التافهة بصور جسدها، تجهز ليوم ترى فيه الناس تصفق لحيوات مفرغة من المعنى ومن المغزى والهدف. تعود على شيء من الحزن وشيء من الغربة، وإذا سمعت قلبك ينوح فتذكر يوسف ويعقوب ونوح.

أتعلم كيف يبدو شرار الخلق؟ أتعلم كيف يبدو المجرمون؟ يبدون عاديين تمامًا، شكلهم طبيعي وهندامهم جميل ولو التقيت بأحدهم فقد تجده لطيف المعشر، فلا يخدعنك هذا. الأشرار لا يبدون أشرارًا إلا في أفلام الكارتون، ولو سألته سؤالًا جادًا واحدًا لرأيت الشر رأي العين. أتعلم كيف ترتكب الجرائم الكبرى؟ ترتكب بشكل عادي وسلس، أتعلم لماذا يتواطأ الناس السذج معهم؟ لأن التواطوء سهل، عدم التواطوء صعب ومكلف، ولذلك عليك بشد عودك وتجلية قلبك بانتظام كي لا يتراكم عليك ركام الحياة فتعمى بصيرتك.

لماذا رضيتم أن تشاركوا في قتل الحياة؟ نعم قتلناها ولكن في قاعات جميلة! لماذا ذهبتم بإرادتكم إلى كل هذا التلوث والضوضاء؟ نعم ذهبنا لكنهم قدموا لنا وجبة فاخرة! لماذا شاركتم في هدم القيم؟ نعم هدمناها لكن انظر عدد اللايكات على صورتي وأنا أهدمها. سيحدثوك ويغروك ويقولوا لك تعال معنا، فلا تذهب، (من كثّر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريكًا لمن عمله).

إنه زمن الطوفان يا أخي فالزم طريق النجاة وامتنع عن الخوض مع الخائضين إلى أن يقال (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

Photo by Fiorenzo Rosa: https://www.pexels.com/photo/crashing-waves-in-close-up-photography-7868275/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق واحد

  1. غادةsays:

    كلام عميق و صائب
    و فكر يستحق التأمل و التبني

    الله يفتح عليكم أ أحمد
    و الله يرزقنا جميعاً نور البصيرة

  2. سارة السقافsays:

    رائع، رائع، وصف بليغ..عجز لساني عن قوله،
    فعلاً هذا ما احس به في كل مره وفي كل بهره..

    اللهم ثبتنا على ‏ ‏سراطك المستقيم.
    اللهم ثبتنا..
    شكراً كم وصفك عظيم.
    وكم نصائحك كانت مرادة.. في كل مره سأحس بها باليئس أوبضعف أمام المغريات، سرأجع وأقرأ هذا المقال..

  3. علياء مطبقانيsays:

    وصف دقيق لعالمنا اليوم .بارك الله فيك فالشباب اليوم بأمس الحاجه لمن ينبهم لماهم فيه ،كثر الله من امثالك وثبتنا واياك علي
    الصراط

  4. إيمان عنقاويsays:

    جميل المقال يا أحمد .. عجبني فيه انك مستخدم الآيات في وسط الكلام تكملة للجمل .. عادة يستخدموا الآيات استشهاد .. بس هنا معانيها وضحت بشكل أسهل على القارئ ..
    الله يبارك لك في علمك وعملك ..

  5. طلال الناهيsays:

    قال مسلمة بن عبدالملك عن عمر بن عبدالعزيز رحمهما الله ( لقد ألنت منا قلوبا قاسية ، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا )
    جعل الله لك كما جعل لعمر استاذ أحمد وجعل لك في الصالحين ذكرا
    وشكرا لك على عذوبة الفاظك وسهولة معناك وسلسة افكارك والتحام هدفك

  6. عمار المفتيsays:

    رسائلُ لطيفةٌ رقيقة…كأنَّها تأملات فيلسوفٍ ومناجاةُ صوفيّ!
    لَكِنْ ما حمَلَك على كتابته؟
    مَن كنت حقيقةً تُخاطِب؟

  7. Afnan Assirisays:

    الطوفان .. يكاد يبتلعنا يوميًا يا صديقي
    أما طوق النجاة فانه بين ايدينا وبقي ان نركب الفُلك

    شكرًا لقلمك .. شكرًا لتذكيرنا

  8. Salihsays:

    ايش الكلام ايش الامثلة ايش التركيب اللبق الجميل الجوهري اللطيف المرتب اشكرك على جهدك و تعبك في هذا المقالة الذهبية اللتي لابد من كل العالم ان يقرئها و يتمعن فيها ، ي اخي الكلام لن يوفي حقك و خصوصًا ان فيها من احب الكلام لنا كلام الله ، اسعدت قلبي بهذه المقاله الجميلة فعلاً هذا الزمن يحتاج صدمات كهربائية للقلب عشان يصحى من الغفلة و السهو ، ي الله تسألك حسن الخاتمة 💖🤲🏻

  9. Danyah mousasays:

    جاءت الرسالة لتطبطب علينا… لتهدىء من روعنا..
    لسنا وحدنا ! والحمدلله أن هنالك مازال أشخاص يعتريهم ما إعترى أحمد ليكتب عن الطوفان !
    الحمدلله مازال هنالك أشخاص يقفون على أرض صلبة لم يمسها الطوفان بعد
    الحمدلله على حياة قلوبهم فثبتهم وثبتنا يالله !
    الحمدلله

Join our mailing list

Be the first to know about our new products and promotions and enjoy the enriching weekly newsletters.